• دبلة الزواج أم طباعة كتاب

    عندما كانت السيدة مرسيدس بارشا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما رهن دبلة زواجها أو بقاء كتاب زوجها دون طباعة، فإنها لم تتردد في الانحياز نحو الخيار الأول حتى إن كانت الدبلة هي آخر ما تبقى لها مع زوجها من ممتلكات في منزلهما البائس من أجل إنقاذ رواية لم تكن حينها تعلم أنها سوف تصبح من أشهر الروايات في العالم، وأن زوجها سوف يصبح فيما بعد أيقونة الرواية اللاتينية ومستحقًا لجائزة نوبل للأدب لعام 1982 كرابع شخص من أمريكا اللاتينية. وهكذا فقد كانت هذه الدبلة (الغالية جدًا بالطبع على قلب مرسيدس) مع دبلة زوجها هما طوق النجاة الأخير للجزء الثاني من رواية (مائة عام من العزلة) التي كتبها بالإسبانية الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014). وكانت مرسيدس قد رهنت قبل دبلتي الزواج، أغلب أدوات المنزل؛ مثل السخانة الكهربائية والمفرمة الكهربائية ومجفف شعرها لتسديد أجرة البريد لإرسال الجزء الأول من الرواية للناشر الأرجنتيني. وقد كانت هذه تضحية كبيرة من هذه الزوجة؛ التي هاجر جدها القبطي من مصر من أصول لبنانية (يقال إنها من عائلة فاخوري) والتي اعتبرها ماركيز حب حياته وملهمته الحقيقية. ونتيجة هذا الزواج الناجح (استمر خمسة عقود) فقد بيع من روايته المذكورة أكثر من خمسين مليون نسخة وحظيت بأكبر عدد من الترجمات. وقد بلغ من حبه لزوجته أنه قال إنه سوف يسكن فندقًا في حال ماتت قبله، لكنه مات قبلها (2014)، بينما توفيت هي في عام 2020م. وتحكي الرواية المذكورة (التي تتكون من حوالي 500 صفحة، ويقال إنها ترمز في مضمونها للصراع السياسي في أمريكا اللاتينية) عن شخصية رئيسية هي الأب بوينديا الذي قتل صديقه دفاعًا عن رجولته بعد مصارعة ديوك لمّح حينها الصديق بأن بوينديا عاجز جنسيًا، مما اضطره إلى الهرب وتأسيس قرية جديدة أسماها (ماكوندو)، حيث توالدت فيها أجيال متعددة منعزلة عن العالم الخارجي. وتتوالى في القرية أحداث غير عادية إلى أن تنتهي الرواية برياح تدمّر كل آثار وجود القرية بعد أن تبدأ في الانفتاح على العالم. وتتميز الرواية بكثرة التفاصيل وتشابه الأسماء وتداخلها لدرجة يمكن أن تربك القارئ، الأمر الذي اضطر بعض دور النشر لوضع رسم لشجرة عائلة الأب بوينديا؛ لكي يساعد ذلك في فهم مسار الأحداث في الرواية. وقد عرف عن ماركيز علاقاته الوثيقة بالرئيس الكوبي فيدل كاسترو، وصداقته للقائد الفلسطيني ياسر عرفات، وتوافقه مع بعض الجماعات الثورية في أمريكا اللاتينية في الستينيات والسبعينيات. ولماركيز أعمال روائية أخرى مثل رواية الحب في زمن الكوليرا وخريف البطريرك وقصة موت معلن ورائحة الجوافة وذكرى عاهراتي الحزينات وغيرها.

    الكاتب: يوسف أحمد الحسن

    0المفضلة

    15 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    #الكتابة #لياقة_القراءة 

التعليقات (0)

المزيد من يوسف أحمد الحسن

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • دبلة الزواج أم طباعة كتاب

    المزيد من يوسف أحمد الحسن

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة