• التصويب

    التصويب جلس رئيس قسمٍ شابٌ مولعٌ باللغة والأدب، متسلح بالبيان والتبيين للجاحظ، وكتاب الصناعتين، وأدب الكاتب، ودلائل الإعجاز، وشروح ألفية ابن مالك، وغير ذلك من أمهات كتب الأدب واللغة، التي صحبها طفلا وشابا؛ حتى باتت كبني أمه لا يصبر على فراقها، يأنس بها وتأوي له. وأخذ يكتب خطابا رسميا، فاختار ألفاظه، ودقق إعرابه فرفع المثنى بالألف والجمع بالواو وأثبت النون وحذف حرف العلة وما إلى ذلك مما تقتضيه الصنعة وتستدعيه البلاغة فأجاد وأفصح وأرسل كتابه لمديره ليعتمده منتشيا بما كتب، سعيدا بحرفته للأدب، محلقا بخياله بين أساطينه، فتارة يحدثهم وطورا يحدثونه. وبينما هو كذلك إذا دخل عليه رجلٌ أعجميٌ يلحن ويرطن ولا يكاد يبين فقال له وهو يمد له كتابه المرسل آنفاً: ( مدير كلام سوي تاني) وترجمة ذلك: أمر المدير أن تعيد كتابة الخطاب تارة أخرى على النحو المبين. فأمسك الكتاب ونظر فإذا بقلم أحمر قد أضاف حروف العلة المحذوفة وحول الألف والنون والواو والنون ياءا ونونا وهلم جرا، فلم يجد مندوحة من الصبر، فأنى يجادل من يجر المرفوع ويرفع المجزوم ولا يعرف قدر النون ولا ما ينوب عن الضمة والسكون؟! متمثلا قول الشاعر صبرت على كره لما قد أصابني ومن لم يجد مندوحةً فهو صابر فعمد إلى كتابه فصوب الصواب الذي كتبه، وأعاده كما أراد له المدير أن يكون غير مبالٍ بالجاحظ ولا بالجرجاني ولا بأحدٍ ثانِ. وهو يهمس لنفسه ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون) ثم قهقه وهو يقول: المصيبةُ أن يُسألوا هم عما نفعل نحن !

    الكاتب: خالد مطير

    0المفضلة

    40 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    تصويب الصواب اثبات 

التعليقات (0)

المزيد من خالد مطير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • التصويب