• الكركدن

    الكركدن كانت الفارعة امرأة جسيمةً، كأن ساريةً تسير إذا مشت، وكأن رعدا يزمجر إذا نطقت، يسمعها القاصي قبل الداني ولو من وراء جدرٍ وأبوابٍ مغلقة. لا تجد غضاضة في مزاحمة الرجال بالمناكب وبغير ذلك مما لا يليق بامرأة تفقه أو تعقل. فإذا مشت في الطرقات سدتها على الغادي والرائح لا تبالي بمن وراءها ولا بما أمامها، فإن علمت رجلاً يريد أن يتخطاها حياءً وكرامةً مشت الهوينا في وسط الطريق فسدته، وإن قابلها آتٍ على باب سبقته إليه بصدرها وهي تطاول الجبال وتريد أن تهد الأرض هدا. لم تكن هذه صفات امرأة… بل ولا صفات رجلٍ حتى بات الرجال يسمونها الكركدن لما يشتركان فيه من خُلقٍ وخليقةٍ. فكانوا يتحاشون الحوار معها فهي مولعة باللجاج، سريعة الهجوم كالعقرب تلسع كل ما يدب حولها. شكا صديق إلى صديقه هذا الكركدن قائلا: كيف بالله يمكننا أن نعمل أو نتعامل مع امرأة إن خاطبتنا علا صوتها صوت جميع الرجال. وإن تشاورنا خالفتنا، وإن نصحنا هاجمتنا كأنها الكركدن لا تكاد ترى أحدا حتى تهجم عليه بقرنها أو لسانها وتجهر بالقول كأنها تتكلم بين جبلين او في كهف من صخر صلد. كان الصديق حكيما فقال هون عليك، هذا كائن حتفه تحت أنفه؛ فانتظر ترَ عجبا. بعد شهور قليلة نعى الكركدنَ ناعٍ لزملائه فتعجبوا كيف وقد ملأ الأرض ضجيجا ودبيبا بالأمس. كانت السماء غائمة، والرياح ناعمة، وكل شيء يبعث على السكينة والهدوء فخرجت وابنها للمنتزه وبينما تسير مصعها جواد بطرف ذيله فانفجر بركانها فركلته في ساقه الخلفية بمقدم نعلها فلم يمهلها حتى سفع ناصيتها بحافره فأصاب بين عينيها فخرت لتوها جثةً هامدة. في التحقيق تبين أن الكركدن أخطأ على الحمار، وأن رد فعل الحمار طبيعيٍ فلم يدن صاحبه ولم يدها. وانتصر الحمار لغيره من بني البشر فكم كركدناً رأيت في حياتك؟

    الكاتب: خالد مطير

    0المفضلة

    27 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    الكركدن العقرب البركان العناد اللجاج 

التعليقات (0)

المزيد من خالد مطير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الكركدن