لا تكذب
Jan 21, 2025 02:34 AM Jan 21, 2025 02:34 AM
لا تكذب في عنبر من عنابر المرضى بالقصر العيني فسيح أبيض نصف جدرانه من الزجاج ويطل على النيل وحوله أشجار عتيقة ونخلٌ باسقاتٌ وضعت عدة مناضد متفرقة يحيط بكلٍ بضعة مقاعدٍ أحدها للأستاذ الذي سيختبر الطلاب. حُشر الطلاب في عنبر مجاورٍ يصله بالأول باب عتيق من الخشب المقسم مستطيلات متناسقة والزجاج كانت الجدران والأبواب والأسرة والشراشف والمناضد والمقاعد كلها بيضاء تحمل عبق التاريخ وعراقة الماضي وتبعث الأمل في مستقبلٍ مشرقٍ وغدٍ أفضل. سيق الطلاب وفودا إلى المناضد التى أعدت للاختبار فرادى ومثنى وثلاثَ كلٌ وفق ما ود الأستاذ، على تباينٍ في الطبع والطبيعة، فمنهم قصير وطويل، وسمينٌ ونحيلٌ، وهشٌ بشٌّ وكالحٌ أجشُّ. ألوان وصنوف من العون والهون والطلاب يهيمون كالذباب إما حائرا وإما طائرا، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. دعا داعي المحنة طالبين فجلسا متجاورين أمام أستاذ فذٍّ، ابتسم لهما وسألهما عن حالهما واستعدادهما فسكن عنهما الروع وشرع يسأل وأحدهما يجيب والآخر يخيب فكانا كما قال الشاعر ضدان لما استجمعا حَسُنَا والضدُّ يظهر حسنه الضدُّ ولما رأى الاستاذ ذلك منهما، عمد إلى المعسر سأله أرأيت مريضا كهذا من قبلُ؟! فأجاب بدون تردد: كثيراً ولطالما حضرت الدرس. حسناً مع من حضرت ورأيت هذا؟ مع الدكتور صلاح. أجاب الطالب واثقا فقال الأستاذ: فأين هو بين هؤلاء الأساتذة؟ فنظر هنا وهناك تدور عيناه كالذي يغشى عليه من الموت، ثم قال حذرا لم يحضر اليوم! نادى الأستاذ لمن حوله من طلاب وأساتذة وأخبرهم بقول الطالب فضحكوا جميعا وصرفهم. ثم نظر للطالب وقال له: أنا الدكتور صلاح. ليس عيبا يا بني ألا تعرف فقد تكون أهملت مذاكرتك وتستدرك ذلك، بل قد لا تتخصص في هذا المجال وتبرع في غيره مما هو أحب وأنسب لك. ولكن لا تكذب لا تكذب فما دمت صادقا ستفلح أما الكاذب فلا. أمسك الأستاذ ورقة يرصد بها الدرجات وسأل الطالب كم تستحق؟ فوجم خجلا وأطرق ثم قال امنحني درجة النجاح. فقال بل أمنحك الدرجة النهائية يا بني ورصدها أمامه ثم قال: أتدري لم؟ فعم الصمت قليلا … قطعه الأستاذ بقوله لأن أداءك لا يؤهلك للنجاح ولأني أظنك سترسب، لا أريد أن أحبطك ولكن أريد أن أعلمك أنك إن رسبت فلأنك لم تذاكر ولئلا توهم نفسك أن الدكتور صلاح هو من تسبب في رسوبك. أعلنت نتيجة الاختبار ورسب الطالب الكاذب ونجح الاستاذ في أن يعلمه درساً يعيده إلى جادة الصواب ويصحح مساره.


الكاتب: خالد مطير
0المفضلة
24 المشاهدات
0 تعليقات