• قطعة البسبوسة

    كانت السماء ملبدة بالغيوم، ورائحة المطر تتسلل إلى أنف يحيى وهو جالس في شرفة منزله يحتسي قهوته المسائية. كان ينظر إلى الأفق بعينين مثقلتين بالتفكير. يداه ممسكتان بكوب القهوة، لكنه لم يشرب منه سوى رشفة واحدة. تردد في ذهنه السؤال الذي طالما أرقه: "ما الرزق؟ كيف أعرفه؟ أهو في السعي، أم هو مكتوب سلفًا ولا فكاك منه؟" أفاق من شروده على صوت زوجته ليلى، التي كانت تناديه من داخل المنزل: – "يحيى! هل يمكنك أن تحضر لنا كيس بسبوسة وكيسين فانيليا؟ الأولاد طلبوا مني إعداد البسبوسة." رد عليها بصوت متكاسل: – "حسنًا، اكتبي لي ما تريدينه، سأذهب للصلاة ثم أحضره." خرج يحيى من المنزل متثاقل الخطى. الهواء البارد يلفح وجهه، وكأنه يواسيه في حيرته. دخل المسجد وأدى صلاته، لكنه لم يجد في قلبه السكينة التي كان يبحث عنها. بدلاً من ذلك، تسلل إليه شعور بالضيق من سؤال لم يغادر ذهنه: "لماذا أسعى؟ أليس الرزق مكتوبًا؟ لماذا أجد آخرين يحصلون على ما سعيت إليه دون جدوى؟" بعد الصلاة، قرر يحيى أن يمر على المقهى القريب ليشغل ذهنه قليلاً. جلس هناك، وإذا بصديقه أحمد ينضم إليه. كانت جلسة عابرة تحولت إلى حوار فلسفي: – "يا يحيى، لماذا تبدو شارد الذهن؟" – "أفكر في الرزق يا أحمد. نحن نسعى، لكننا لا نحصل إلا على ما هو مكتوب لنا. فلماذا هذا السعي كله؟" ابتسم أحمد وقال: – "لأن السعي جزء من حكايتنا، ولأنه السبيل الوحيد للوصول إلى ما كتبه الله لنا. الرزق لا ينتظرك على عتبة بيتك، بل عليك أن تمضي إليه. ولو لم يكن لك، سيأتيك غيره بطريقة لم تخطر ببالك." أثرت كلمات أحمد في يحيى، لكنها لم تبدد حيرته تمامًا. أنهى حديثه سريعًا وغادر المقهى، وفي طريقه اشترى طلبات ليلى. عندما عاد إلى المنزل، وجد ليلى قد انتهت من إعداد البسبوسة، والأولاد يضحكون حول المائدة ببراءة. قدمت له قطعة وهو جالس بجانبهم، لكنه لم يأكلها. كان ذهنه ما زال مشغولًا، فأخذ قطعة ملفوفة وقال: – "سأذهب لأزور أحمد مجددًا." في طريقه، مر بأطفال يلعبون على الرصيف. كان بينهم طفلة صغيرة، ترتدي معطفًا خفيفًا رغم برودة الجو، وقد وقف أحدهم يناديها باسمها: – "سارة، تعالي نلعب هنا." توقف يحيى للحظة. نظر إلى الطفلة ثم إلى القطعة الملفوفة في يده، وكأن شيئًا ما داخله يدعوه لفعلٍ لم يكن في حسبانه. انحنى نحو الطفلة قائلاً: – "هل تحبين البسبوسة يا صغيرتي؟" هزت رأسها بحماس، وعيناها تلمعان. أعطاها القطعة وهو يبتسم، ثم أكمل طريقه. عندما عاد إلى المنزل، وجد ليلى تنتظره على الشرفة. سألته بدهشة: – "ألم تأكل شيئًا؟" أجابها بابتسامة هادئة: – "أكلت ما كتبه الله لي، وأعطيت ما كتبه لغيري." جلس بجوارها وهو يشعر براحة غريبة لم يعهدها من قبل. أدرك يحيى حينها أن الرزق ليس فقط فيما نأخذه لأنفسنا، بل أيضًا فيما نمنحه لغيرنا، وأن السعي هو وسيلة الله ليرينا حكمته في تقسيمه بين عباده. نظر إلى السماء الملبدة بالغيوم وهمس لنفسه: – "الرزق كالمطر، لا أحد يقدر أن يمنعه أو يغير مساره، لكنه لا يأتي إلا عندما يحين وقته."

    الكاتب: AHMED EBRAHIM

    0المفضلة

    43 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من AHMED EBRAHIM

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • قطعة البسبوسة