• ما بين الشغف والهف

    ما بين الشغف والهف، تضطرب الروح كقاربٍ في بحرٍ مائج، الشغف موجةٌ عاتية تحملك لأعلى قمم الجنون، والهف دوامةٌ تبتلع أحلامك دون إنذارٍ أو قانون. الشغف نارٌ مقدسة، تتلذذ الأرواح بوهجها، يصير كل ما تمسه ذهبًا يلمع، وحلمًا يتحقق، مهما كان مستحيلاً. أما الهف، فهو ضيفٌ ثقيل الظل، يمتص من لذة اللحظة رحيقها، ثم يتركك في فراغٍ بارد كليلٍ بلا قمر. الشغف نهرٌ يجري في عروقك، يطربك صوته، وتغريك غمراته، تغوص فيه بلا خوف، كأنه يدعوك لمأدبةٍ سرية. والهف صحراءٌ عطشى، تسير فيها حافيًا، تبحث عن ظلٍّ لا يأتي، وعن واحةٍ تنزف سرابًا. إذا امتلكك الشغف، يصير الكون مهرجانًا صاخبًا، الألوان أكثر إشراقًا، والأصوات أكثر حدةً، وكأن كل شيءٍ يغني لك لحن البهجة. أما إن زارك الهف، تصبح الحياة فيلمًا بالأبيض والأسود، حيث الزمن ثقيلٌ كجدارٍ ينهار ببطء، يطويك معه في ثنايا الملل. الشغف فارسٌ مغامر، يطعن الملل بسيف الحماسة، يرفعك في الهواء كطائرٍ مخمور، لا يريد النزول أبدًا. والهف سجانٌ بلا رحمة، يكبل خيالك بقيودٍ من خيبة، ويطعمك كسرةً من وهمٍ لا طعم له. فاختر الشغف وليمةً، تتلذذ بها كمن يكتشف طعم الحياة لأول مرة، ودع الهف في زوايا النسيان، فهو لا يقدم سوى أطباقٍ من الفراغ، باردةً كالعدم، مملةً كليلٍ طويل بلا نهاية.

    الكاتب: إبراهيم شاهر

    0المفضلة

    20 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من إبراهيم شاهر

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • ما بين الشغف والهف