• أضواء المدينة

    لم تكن أضواء المدينة وحدها ما يجذب نظر يحيى، بل كانت الحياة في القاهرة بكل ما تحمله ، فالشوارع تنبض بالحياة، والمحلات تتلألأ كنجوم في ليلة كاحلة، والأضواء تنساب كأنهار من ذهب، تلمس وجوه المارة العابرة. كل شيء يصرخ بالحركة، على عكس قريته النائية في الصعيد، الزمن يسير بخطى ثقيلة، كأنه يحبو فوق رمال الصحراء. تفوح رائحة الأرض الرطبة وصراخ الحيوانات ، ليأتي الليل الطويل بسكونه العميق، يعتريه نباح الكلاب ، ونقيق الصراصير الذي لا ينقطع، كأنه موسيقى خفية تعزفها الطبيعة في صمت رهيب . كان يحيى يحلم أن ينتقل إلى القاهرة ، أن يذوب في ضجيجها، أن يصبح جزءًا من عالمها ، يتلهف إلى الوظيفة التي أعلن عنها المركز القومي للبحوث الجنائية منذ عام مر عليه كظلٍّ خجول في هدوء وسكون ، يترقب فيه بقلبٍ خافق على حافة الأمل الوظيفة التي طال انتظارها . استيقظ يحيى على صوت عم مصطفى، عامل البريد، ينادي عليه : "يا أستاذ يحيى!" قفز يحيى من سريره وانطلق نحو الباب بقلب يكاد يخرج من صدره. "نعم يا عم مصطفى!" "جواب من المركز القومي للدراسات الجنائية." لم ينتظر يحيى حتى ينصرف عامل البريد. فتح الخطاب بيد مرتعشة،. قرأ الكلمات بسرعة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة، "أنا تعينت!" صرخ وهو يلوح بالخطاب كأنه علم النصر. هرع إلى أمه، التي كانت في المطبخ، : "أماه، أماه... أنا تعينت في المركز!" أقبلت عليه وهي تفتح ذراعيها بصوت خفيض: "الحمد لله... الحمد لله." "أين أبي؟" سأل يحيى بلهفة. "ذهب إلى الحقل مع أخيك، لكنهما سيعودان قريبًا." "ألا تصنعين لنا بسبوسة لهذه المناسبة؟" ضحكت أمه وهي تتجه إلى المطبخ: "بالطبع، وأحلى بسبوسة للدكتور يحيى!" سكت يحيى لحظة، ثم تمتم: "دكتور يحيى... ياااه، إنه حلمي الذي أسعى إليه." --- ### **المشهد الثاني:** استعد يحيى للسفر بسرعة، كأنه يخاف أن يفلت الحلم من بين يديه. دخلت عليه أمه في غرفته، وهي تحمل في عينيها كل ما لم تقله من مشاعر. "يحيى..." "نعم، يا أمي؟" "هل انتهيت؟" "أجل، يا أماه." "وهل هاتفت عمك سيد لتبيت عنده؟" "لا، يا أمي. اتفقت مع صديقي في الجيزة، ليكون قريبًا من المركز." "لكن، يا بني، عمك في انتظارك... وحتى أطمئن عليك." "لا تقلقي، يا أمي، هذا أفضل." قالها وهو يغلق حقيبته، كأنه يغلق بابًا على جزء من حياته. خرجت أمه لتعد له بعض الطعام، بينما هو يجلس على السرير، يتأمل الغرفة التي عاش فيها طفولته وشبابه، كأنها صندوق ذكريات يوشك على تركه. --- ### **المشهد الثالث:** في الموقف، كان صديقه فهمي في انتظاره. فهمي، الذي بدا كشجرة قديمة بجذور عميقة ، كأنه يحمل كل هموم القرية على كتفيه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك، يا فهمي..." "وكيف أتركك تسافر دون أن أودعك؟! ثم إنني وعدتك أمس بأنني سأوصلك إلى المحطة." "أنا لا أعرف كيف كنت سأدبر أمري من دونك... لقد ساعدتني كثيرًا." قاطعه فهمي: "بلاش الكلام ده، يا يحيى... ده واجب!" ركبا السيارة المتجهة إلى المدينة، التي لم تكن تبعد عن القرية سوى عشرين كيلومترًا تقريبًا. عند وصولهما، نزلا منها وتوجها مباشرة إلى محطة القطار. جلسا على أحد المقاعد القريبة بالمحطة ، التفت فهمي إلى يحيى قائلًا: – لا تقلق، لا يزال أمام القطار عشر دقائق. وصلنا في الوقت المناسب. – الحمد لله. – لا تنسَ أن تكلمني فور وصولك. – طبعًا، سأكلمك إن شاء الله. في تلك اللحظة، لفت انتباه يحيى صوت رقيق لفتاة تجلس في المقعد المجاور، تسأل أحد عمال المحطة عن موعد القطار. كانت تبدو في العشرينات من عمرها، ترتدي لباسًا أنيقًا، عيناها تلمع كنجمتين في سماء المدينة الصاخبة، يفوح منها عطر ينتشر في هدوء النسيم العابر في صيف حار. فجأة، دوّى صوت القطار في المحطة، قادمًا من بعيد، يبعث الرهبة في الناظرين. أخذ يهدّئ سرعته تدريجيًا حتى توقف تمامًا. التقط يحيى حقيبته، وعانق صديقه مودّعًا، ثم صعد إلى القطار، حيث كان قد حجز مقعدًا في الدرجة الثانية. وضع حقيبته بجانبه، وجلس قرب النافذة. من خلف الزجاج، رأى فهمي يلوّح له مبتسمًا، قبل أن يستدير منصرفًا. أعاد يحيى نظره إلى الداخل، متابعًا حركة الركاب وهم يبحثون عن مقاعدهم ويضعون حقائبهم في أماكنها. ثم عاد ببصره إلى النافذة، مترقبًا لحظة انطلاق القطار. أطلق القطار صافرته العالية، فأغمض يحيى عينيه وتنهد طويلًا، ثم قال لنفسه بصوت خافت: – "ياااه... أخيرًا! أنت الآن في طريقك إلى القاهرة. حيث الأضواء الباهرة والأحياء الراقية والمبان الشاهقة والشوارع الواسعة ... ثم تذكر وظيفته وحلمه في استكمال دراسته لنيل الماجستير ثم الدكتوراه... ياااه، إنه طريق طويل!" قطع أفكاره صوت رقيق: – "لو سمحت... هذا مقعدي." التفت إليه، فإذا بها الفتاة نفسها التي رآها في المحطة. توجّم يحيى قليلًا، وكأنه لم يستوعب المفاجأة. أعادت بلهجة هادئة: – "ممكن أجلس في مقعدي؟" حاول أن يجمع قواه، فتمتم مرتبكًا: – "مقعدك؟!" ثم تدارك الموقف، وأضاف: – "أنا حاجز في المقعد رقم..." لكنه فوجئ بأنه *نسي الرقم تمامًا!* نهض بسرعة، وراح يبحث في جيوبه عن التذكرة. خاطب نفسه بقلق: "أين وضعتها؟! لا، لا... أذكر أنني وضعتها في الحقيبة..." أسرع يفتح حقيبته بتوتر شديد. لاحظت الفتاة ارتباكه، فقالت بصوت حنون: – "اهدأ... خذ وقتك." استعاد يحيى أنفاسه أخيرًا، ثم ابتسم قائلا: – "آه، وجدتها! الحمد لله." نظر إلى رقم المقعد وقرأه بصوت مرتفع: – "رقمي 42." ابتسمت الفتاة بلطف وقالت: – "وأنا 41... بجوار النافذة." أدرك يحيى الموقف، فتراجع قليلًا وأشار إليها: – "تفضلي." جلست الفتاة في مقعدها، وجلس هو بجانبها، دون أن ينبس بكلمة واحدة ...

    الكاتب: AHMED EBRAHIM

    0المفضلة

    31 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من AHMED EBRAHIM

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • أضواء المدينة