ذاك الشعور : رحيل ( قصة قصيرة )
Feb 4, 2025 04:57 PM Feb 4, 2025 04:57 PM
حول مدفئة عتيقة ، بها أعواد من أخشاب رقيقة ، استيقظ ذلك اللاعقلاني ، اللامفهوم ... يشعر بتثاقل أجفانه ، تجمُّد أطرافه و ارتجافة تسري في عروقه ، حانت منه نظرات سريعة على محيطه ، لم تلتقط عيناه أية إشارات ... فقط الظلام هو ما يحيط به ، الظلام ولا شئ آخر ... يتذكر ، يجهد عقله عله يتذكر أي شئ و لكنّ عقله كأنه الصفحة البيضاء ، دارت الأسئلة برأسه حتي أحاطه صداها! فزع قافزا من مكانه " منذ متى يسمع صدى الأفكار ؟! ما هذا المكان ؟!" اضمحلت نبضات قلبه ، ارتجفت أنفاسه ، تسري برودة جليدية في أطرافه ، عرف بصره الطريق إلى قدماه فندت عنه صرخة فزعة ! الأرضية !.. لا توجد أرضية !.. يقفز قفزات سريعة خوفا من الوقوع في هاوية دوامية ، كأنه يرقص علي أوتار الخوف ، يعزف المجهول سيمفونية الخوف المحتم في أذنيه ، يقبض على صدره بإحدى يديه علّ قلبه يهدأ ، فيما عرفت يده الأخرى الطريق إلى فمه ، يقضم أظفاره بسرعة مخيفة لا يفرق بين ظفر ولحم فيما ألمّ به من خوف ... يشعر بقلبه يقف على حافة الهاوية !.. يشعر بروحه خاوية !... و أصوات لذئاب عاوية!... دار حول نفسه كالممسوس مرتاع ملتاع ، دار حتي اهترأت قدماه و تشققت أصابعه .... تحيطه أصوات حفيف ، وصلته أصوات متداخلات " الخاوية قلوبهم ، الخالية عقولهم ، الهاوية أرواحهم " يسمع صدى الكلمات تلفه من فوقه و من أسفل منه ، تلفه بهالة دوامية ، يزداد فزعا حتى لكأنه على شفا حفرة الموت !... وبين تنهداته و زفراته ، تراءى له خيال بعيد يقترب منه بتؤدةٍ تنافي خيول الحرب المهرولة برأسه ، تعالت الأصوات حوله بتلكم الجمل الثلاث ، شعر بقدميه تغوصان ... ارتجفت شفتاه و طرفت عيناه في محاولة أخيرة لحبس الدموع الدامية ، ولكن الدموع في هذه اللحظة بالذات كانت أكثر الإناث إغراءً في التاريخ ، وكأنها تقول " هئت لك " تنافرت دموعه بعضها يجر بعضا " يا ألله ! أهذا هو قهر الرجال ؟! " و ما أفظع من قهر الرجال؟ !.. و أعتي من دموع العيال !... لكأنها في حرارتها الوبال!... و يقف للخطبة الدجال !.... أرسلت العين إشارات سريعة إلى المخ " يا مخ ، إني أرى رجل يبدو كمن خرج من قبره توا ، ربما به للذئاب صلة ، إنني في حيرة عظيمة ، أفتني في أمري" استجاب المخ فورا فورا ، شحذ خلاياه ، على استعداد تام للقتال و إن أنهك في المعارك السابقة ، فهذه هي ما تحدد مصير هذا الجسد .. أتته إشارات من الأذن " يا مخ ، لقد ألقى السلام ، صوته به من المكر ما يكفي ويفيض" تعالت أصوات الأعضاء بالفزع ، مرتعبة خلاياهم ، كلٌّ يقول نفسي نفسي أصدر المخ أمره " اهدءوا ولا تفزعوا ، سنكون بخير " و راح يلقي أوامره بحرفية شديدة ، المايسترو الأعظم في تاريخ البشر " أيا عين ، كفكفي دموعك و لنستدعي صوت المنطق ، كفاك تحكما أيها القلب اللعين ، ستودي بنا أيها المجنون " ارتجفت أطرافه مستسلما للسحب المؤلم ، أبت عيناه الآن الجود بدموعها ، جفت مآقيه ... الآن ، الآن فقد الشعور بوجوده ، يقترب الغريب أكثر فأكثر و ها هو ذا يتحدث " أراك استسلمت !! لم تبدأ هذه الجولة بعد ! " رد مرتجفا " من أنت ؟" قهقه الغريب متسليا برعبه " أليس الأولى أن تسأل من تكون أنت ؟ " غارت عيناه المسكين ، ندت عنه صرخة ضعيفة " أنا لا أعرف من أنا ! " قالها كإقرار منه على انعدام وجوده و ليس انعدام معرفته فحسب ! ليس لديه أي احترام للموقف الآن ، قهقه قهقهات متتاليات عاليات ، و كلما فكر أكثر كلما خلص إلى نتائج أسوأ ، لا يعرف من هو أم لا يريد أن يعرف من هو ! استكان و إن كان ذلك ظاهريا فحسب ، فعقله الآن في أشد حالاته تأهبا ، و ها هي الطامة الكبرى التي عصفت بكيانه ، وتلك المرة ليست كسابقاتها أبدا ... ناظره الغريب بأعين العارف ، ترتسم ابتسامة متسلية على شفتيه و ما إن نطق حتى أحتجت كل خلية في عقله رافضة التصديق " أنا شئ ما مكنون داخلك، أنا لا أصلح لأكون شيئا أصلا ، أنا شعور ما يسكنك ، شعور يسليك في ليال مظلمة ، ألم تعرفني بعد؟" نظر أسفل منه ، حوله و فوقه و ها قد أتي الاستيعاب بطيئا ، تراءى له عقله يضحك، يقهقه ساخرا منه !.. تسارعت نبضاته ، تعالت أنفاسه و أخيرا تحدث تغلف الحيرة كلماته " أي واحد أنت فهم كثر؟؟ الخوف ، الألم ، الحزن أو التظاهر ! أيهم أنت فأنا ذو حظ عثر ؟" ناظره الغريب متمعنا فيه يتيح له فرصة الرؤية الكاملة مردفا " أنا ألمك ، أنا الألم الأسير ، أتجد التظاهر يسير ؟ و تضع الخوف عليّ حارس عسير ؟" " أنا ألمك أيها المهمش الضعيف، ألهذه الدرجة وجودي يخيف ؟" نظر له بنظرة ملؤها هو ، لقد خلص إلى الاستنتاج الأسوأ " لقد انقلب علي جسدي أخيرا ، كنت أتساءل متى يفعلها و لكن اتضع أن احتماله أضعف من احتمالي " " أتحاسبني الآن أيها العقل على احتمالي؟ كيف وانت أدرى الناس بكيف حالي؟ تقيم لي محكمة أنت فيها القاضي و الجلاد بل والمتهم أيضا ؟" ناظره الغريب بأسى ناطقا " يا بني ، إن التجاهل لا يفيد ، ستواجهني عاجلا أو آجلا و الأشياء المؤجلة تأتي أشد أثرا و أعتى شعورا ، يا بني ، أنا الشعور الوحيد الموجود داخل كل شئ ، كنت موجودا وقت ولادتك ، أنا داخلك ما دامت السماوات والأرض ، لا تقاوم مقاومة واهية ،" أنا الغائب الحاضر يا فتى ، كل مشاعرك ناجمة عني ، كفى تظاهرا بالجهل !" راودته نفسه أن يهرب ، كيف يهرب و إلى أين ! ثوان معدودات و ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة... نظر له بترفع " أنا السيد هنا ، ألا تدرك هذا ؟ المتغير الوحيد هو أنت ، معادلة بسيطة ، لشدة بساطتها قد توصف بالحماقة ... تدرك أنني عندما أغمص عيني ، أعد إلى عشرة و أفتحها فإنني سأتلاشي ! لن أبقى هنا ولا انت أيضا ، ستكون مكنونا داخلي ككل واحد وقف مكانك " صمت هنيهة يلتقط أنفاسه الهاربة و دار حول نفسه يشير إلي كل شئ حوله و أخيرا مشيرا إلى رأسه و تابع بصوت مرتجفا " أعرف أنك داخل كل شعور ، و ما أعرفه حق المعرفة أنك بلاشك داخل شعور الوحدة وهذا ما أحضرك إلي محاكمة الليلة " صوب بصره إلى الارض يرى دموعه تبلل أرضية عقله " ما لا تعرفه أنت ، أنني اعتدت هذه الأرضية هنا ، اعتدت هذا السحب ، كم واحد آخر وقف مكانك ، إنني أجد في هذه المناظرات ما يسيليني ، أجد فيها ما يُذهب عني هذه الوحدة الموحشة المغلفة بك " ناظره الألم متألما لأجله وعندما هم أن ينطق ..... كان كل شئ قد انتهي .... إضاءة صفراء باهتة تلف المكان ،صوت التلفاز في الخلفية ، وصوت خطوات وهمية يقترب من الأريكة التي يجلس عليها ... أتاه صوتها " أنا ذاهبة " رفع رأسه ببطئ محسوب و همس أخيرا " و كأن الموت يستأذن !" أرجع رأسه يسندها إلى الخلف فيما اختلطت دموعه بضحكاته !... عقل الحزن أعمى ، هو نفس عقل الضحك ابك بألم تضحك!!..


الكاتب: نوران محمود
0المفضلة
38 المشاهدات
0 تعليقات