• ذاك الشعور : مشاعر عالقة ! ( قصة قصيرة)

    على الأرض مُسجى ، أإحياء ميت يُرجى ؟! ناظريه متعلقان بسقف تلك الغرفة ، يدرس كل إنش فيه ، اللامبالاة هي ما تصف كل شئ يحيطه الآن بما فيه هو !... يشعر ببرودة ثلجية تنخر عظامه ، ليالي ديسمبر كانت دائما باردة و ربما حتى أكثر برودة من هذه اللحظة ، ولكن!.. ما إن قفز ذهنه إلى تلك الفكرة حتى استجاب ثغره بآهة مكلومة ، المعضلة الآن هي عيونه ، تحيطها هالات كثيفة و تلك التجاعيد لم تكن موجودة من قبل و أخدودان عميقان كانت تجري فيهما دموعه !.. أجل كانت ! لقد جفت مآقيه ، كانت على حق الخنساء إذ تستجدي دموعها : أعيني جودا ولا تجمدا ...ألا تبكين لصخر الندى ... إنه الآن في أمس الحاجة إلى دموع تثلج قلبه كما أثلجت أطرافه ، قلبه محترّ ، وأبت الدموع ! يتمتم بكلمات قليلات " واحرباه ، واحر قلباه" إنه في أمس الحاجة إلى الدفئ ، دفئ يلفه ويلثم جبهته لثمات متتاليات أن أحبك ، ومات الدفئ ! يرتجف قلبه إذ أصابه داء التذكر ، يتذكر كل تفصيلة ولو صغيرة ، حتي الأماكن المتهالكات يتذكرها ، يشتاق إلى كل ما كان ، يتمنى وينزغ الشيطان في أمنيته ، يتمنى الدواء و يرجو النسيان ! و لكنه لا يريد النسيان ، يريد أن يبقى على صلة بكل هذا ، يريد أن يشتم تلك النسائم اللذيذة و إن كان في أحلامه فهو راض ! كم يريد أن يلقي نفسه بين يدي الدفئ ، لا يدري في مصيبته هذه أهو أم مكلومة أم طفل فاقد! يغمض عيناه إذ أعمته الإضاءة الصفراء ، كم حاول تغييرها ، إنها تقلل من فترة حضانة ذلك الداء اللعين فينشط بجراثيمة القاتلة تنفث سمومها القاتلة في شرايينه ... و لكن هذه الإضاءة هي الأخرى ضمن ما يجب و لا يريد ! يريدها أن تظل هنا شاهدة على كل لحظة حتى لا يظنه شخص ما مجنون هيئ له الدفئ يتجسد في بشرية ! ثوان معدودات ، واحد ..اثنان ..ثلاثة ..أربعة ..خمسة ..ستة ..سبعة ..ثمانية ..تسعة ..عشرة ..... زفر زفرة طويلة يُبقي عيناه مغمضتان، تغلفه الرهبة الممتزجة بالترقب ، يشغل نفسه عن كل شئ آخر بالعد ، يعرف أن عقرب العاشرة يعني البداية أو ربما بداية النهاية ! يصر على الاستمرار بالعد حتى بعد أن لفحته رياح عالمه الخاص ، لا يريد أن يرى ما سيحدث ، يهرب من لاشئ إلى لاشئ !... ترتسم على شفتيه ابتسامة ساخرة إذ تذكر كم كان يرنو إلى هذه المحاكمات و المناظرات التى تلهيه ... ملّ الهرب يفتح عيناه ليرى الظلام يغلفه ، مرت بخاطرة فكرة عبثية " كم أن الظلام لذيذ!" ، تنهد بأسى ، يضم قدميه إلى صدره ، يدفن رأسه بينهما ، تساقطت خصلاته الطويلة مذكرة إياه أنه لم يهذب شعره منذ فترة طويلة ، تلعب يده اليسرى بأصابع قدميه كعادة اكتسبها ،يرسم أشكال عشوائية على أرضية عقله بيده اليمنى ، إنه أعسر ! و لكن هذا المكان لا يخضع لأية قوانين منطقية ! القوانين هنا هو من وضعها ، إنه عقله و إن انقلب عليه ... يسمع صوت دقات متتالية تقترب منه ، يأتيه أثرها قبل صوتها ، صوت دقات حذاء أنثوي يعرفه ، تحدث أثرها به جيدا ... يشعر بحيرة في أمره ، زفر زفرة طويلة " ها قد بدأنا ، ترى من الضيف التعِس هذه المرة ؟ " رفع رأسه ببطئ شديد ، يرتجف قلبه بخوف خالص ، يتساءل بألم لما لم يواجه الخوف أم أن خوفه محصن؟! ترفرف عيناه في محاولة للتأقلم مع الظلام الحالك ... يرسل قلبه إشارات سريعة ، انقباضات قوية تليها انبساطات متألمة ، يشعر بالألم اللذيذ بقلبه ، يخفق بقوة يعرفها ، إنه الآن يستجيب ! إذ لفظ الموت روح قلبه ، نور عين خافقه ، تقف أمامه ، تقترب متهادية و كأنها تخطو على بللورات ثلجية ، كأنما تخطو في بحر لجي ، تكشف عن ساقيها خوفا من ابتلال فستانها المزركش ، يتابعها بنظراته ، خطواتها إليه بطيئة مهلكة ، إنها كما كانت بالضبط ، لم تتغير البتة ! تعرف كيف تلعب على أوتار قلبه ، تحرق قلبه لهفة وشوقا ، جبارة كما عهدها ! عندما رفع عيناه ، يرى عيناها ، يتوه بين سراديبها ، عطش هو وإن ارتوى ، بتار رمشها كما دائما ! يمرر عيناه عليها بسرعة ذهابا و إيابا ، همس بارتجافة تسري في عروقه ، ترتعش يداه ، تتساقط حبات عرق دافئة كأنه في أغسطس ، إنه فعل قلبه الأخرق يحتر بمشاعر لذيذة ، كأنما العلاج هو تلك اللحظة ! يهمس لنفسه بارتجاف " إنني مشتاق .. اشتياق عاشق إلى العناق !.. و تنديد شاعر بالمحاق !... أيا قلبي الخفَّاق ...إنني مشتاق !" يحيطه حفيف كلماته ، تلفه من جميع الجهات ، تتطاير رائحة البسمات حوله ، أتاه صوتها الناعم تعقد جبينها باستفهام " أتدري من أنا ؟!" ردّ بسرعة كأنما ينفي عن نفسه تهمة عظماء ، يلوح بيديه علامة النفي ،يُتبعها بإشارة إلى قلبها " إنك العنقاء !" استرسل يُحدِّث نفسه بخفوت ، يستعذب مذاق كلماته " سلبت روحي العنقاء !.. ما لي سبيل مع العُتقاء !.. بالأسر لذة الخمر السمراء !.. و إن كانت سم الرقماء .. ناعمة نعومة عظماء ..." هربت الكلمات منه فصمت يكتفي بالمراقبة ، يتابع تمايلها على وقع كلماته ، حركة عيناها المشدوهتان ، لفتت أنظاره حراشف لامعة تتساقط إثر تمايلها فتتلقفتها دوامات أفكاره ، لمعت عيناه بالألم ، الحزن و شعور غير مفهوم ، يكمل كلماته بصعوبة ، ترتفع غصة مرة بحلقه تكاد تسلب أنفاسه ، تلك الكلمات علقمية المذاق ، يتذوق الكلمات ، يشتمّ المشاعر ، هذا ما كان عليه دائما ، يتحشرج صوته و كأن أحباله الصوتية تتهتك ، هيئ له رؤية دماء تزين عنقه كأنها العقد المنظوم ، يردف بخفوت متألم " كأنها الأفعى الرقطاء!" تراءى له قلبه يقف أمامه ممتلئ بالجروح كأنما خرج من مجزرة توا ، يصرخ به بصوت يتقطع ألما " قتلتني .. قاتلك الله ، تأخذ إشاراتي ونبضاتي بشكل خاطئ ، ألم نتفق على قتلها في نفسك ؟! ألم تقل أن صحتي تهم ؟! و أن نبضي لروحك يرمم؟!" يرى الدموع تتساقط من عيون قلبه ، يؤلمه رؤية خافقه هكذا ، حانت منه نظرات سريعة حوله يراقب كل حركة تصدر عنها ، رأى شفتيها ترتجفان ، فرقت بين شفتيها بغية الكلام و لكن الكلمات تهرب ، يشتم رائحة الخوف و لا يدري أهي صادرة عنه أم عنها ؟! أتاه صوتها باردا " أنا لا أدري ما أقول ؟! تعرفني ...إنني إنسان ملول !.." يلتقط أنفاسه الهاربة ، يهدئ نبضاته الصاخبة فيما تكمل " أنا لست هي ، أنا شعور يتيم ، أنا الحنين ، أنا من يجعلك تحن إلى القديم " غارت عيناه ، ترتجف شفتاه ، ندت عنه صرخة متمردة رافضة التصديق ، أشاح وجهه عل ما قالته يتلاشى و لكن الكلمات حاصرته من فوقه ، حوله و أسفل منه .... أردفت أو أردف ما يتلبسها " ربما أنت لا تريد الدواء و لكن صدقني سيستحيل قلبك خواء و ينفذ من رئتيك الهواء ! " يشهق بعلو ، مرتعب من كل هذا ، أردفت " أشعر بالأنس في وجودك و لكنّ غيابك عني لك رحماء ، داوي التذكر بالنسيان ، التذكر داء خبيث ، تخطى و اذرف الدموع ، و لا بأس في الشعور بالخذلان " لمعت عيناه بالدموع ، قطرات يجر بعضها بعضا كلٌ محملة بواحد من مشاعره العالقة!.. حتى الحنين يتلاشى!.. همس لنفسه مرتعدة فرائصه " إنني إنسان أسيف ، كيف يعيش أسيف بدون مشاعر ؟!" انهار على أرضية عقله ، يستكين غارق بين أفكاره ، يتمتم بكلمات غير مفهومة بينما تتداخل الأصوات برأسه ، ترهف آذانه السمع لدقات قلبه " يا بني ، لا زالت دقاتي تقيم الحداد ، كفى ألما وابتعاد!.. لم تنفذ المشاعر و إن حدث أعطيك بنبضاتي مشاعر جديدات " نهض ينفض الأفكار العالقة بثيابه، ينظر إلى يساره فإذا الخوف يناظره بمكر الضواري!... "إرادتي تتلاشى .. و خوفي يناظرني ببشاشة .. ضعُفت ... ضعفت وأصبحت أكثر الأشياء هشاشة !.. و الحزن أكثر الأعداء بطاشاَ"

    الكاتب: نوران محمود

    0المفضلة

    33 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    مشاعر قصيرة قصة 

التعليقات (0)

المزيد من نوران محمود

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • ذاك الشعور : مشاعر عالقة ! ( قصة قصيرة)