يذهب الماءُ للنومِ، ويبكي!
Feb 5, 2025 12:17 PM Feb 5, 2025 12:17 PM
█ تقديم: |في عرض مسرحي لم يحضره أحد| صرخاتٌ متلاحقة.. يتقدم البابُ من السيفِ المعلق في رقبة السماء، وينهره على التلويح بالذبح سمعتُ الماءَ يصرخ في ألويةِ الريحِ وهْي تمّحي في أصقاعِ الأرصفةِ التي تشحنها البضائعُ بالغبارِ وأوراقِ السفرِ المنسيّةِ في الحقائبِ وأجولةِ السبايا المُحمّصةِ كرغوةِ البن في شهوةِ الفنجان. سمعتُ الماءَ يقفز سرًّا من الشرفاتِ كمن سرق طفولةَ اللحظةِ وانساق وراء كبيرِ اللصوص يبتاع الزمنَ قربانًا لسقوطِ الجثث. والجثثُ تعيد ترتيب قوائمَ الأرض الجثث هي ملكية الريح والغيم.. ملكية الذين شهدوا بيعةَ كربلاء ملكية الذين رأوا مذبحه بدمٍ بارد وأشركوا الناعقين بصيحةِ الغلّبة فليحيا الحسين ذبيح الأرض فليحيا الحسين على المشارفِ في الطرقاتِ، في العتمةِ التي تتصبب من عرق الضوء فليحيا الحسين منسلًّا بحبلهِ السُرّي -المقدس من رحمِ الذين غمدوا السيفَ في قصيدته وليرحم اللهُ المشنقة؛ وهي تتعذب من خطيئةِ كلِّ خائن. تقول الجثةُ لأختها: - لماذا علينا دومًا أن نعيش جثثًا ونموت جثثًا؟! حين تجوع الجثةُ تأكلُ أختها ولا تجد الجثةُ من يضاجعها؛ فتقتل نفسها! . وفي النهاية يذهب الماءُ للنومِ، ويبكي على وسادته الحجرية. .. هناك، في خريف المدنِ المحظيةِ بالموت.. يغسلها الماءُ من زيوتِ الجثثِ اللزجة ويترك الأزقةَ تأخذ العزاءَ في وفاةِ الأحذيةِ تحت ثرثرةِ الرصاص، ودهْسِ المدافع. فليفرح جنود الزيف والرمح؛ فما تركوه خلفهم غير خوذاتٍ يتامى وضحكاتٍ في ثوب ملائكةٍ حيرى وندامى يقرعون كؤوس المنايا للذين جاءوا مُكبلين بروحِ الهزيمةِ من أخمصِ القدمينِ حتى منبت الجرحِ الغائرِ في الفلوات. أيّ أحذيةٍ هنا، لم تمتْ بعد! لزامًا أن تـُفسح الطريقَ لعاملِ البريد ليأخذ طابع التمغة من فوق كلِّ جثة. وفي النهاية يذهب الماءُ للنومِ ويبكي يرصّ الوسائدَ فوق ضلوعه ويبكي يتعرى أمام طفلته العمياء ويبكي يغيب عن الوعي للحظتين ويبكي يضع مكياجه المتواضع كأي امرأةٍ بائسةٍ ويبكي يعِدُ المدينة أن يكون حنونًا في ليلته الأولى فوق فراشهما الوثير وربما، في لحظته اليتيمة، يبكي يحمل معوله الصغير ليكسر الأجراس فوق صهيل الأغنياتِ ويبكي يقود عربته من ضفةِ النهر لسقفِ الغمامةِ وسْط الغبارِ ويبكي - ما أدراك أن يلدَ الماءُ مدينةً من الطمي ولا يبكي؟! ما عدا العشب لا يفقه الماءُ غير القتلِ، ويبكي صاعدًا بمفرده الجليدَ المُلاصق للنوافذِ والعتباتِ الواطئة، ويبكي منذرًا الأبوابَ أن تُبدِّل طعمَ مقابضها السريةِ للأصابعِ عند المساءِ، ويبكي - أترون أن الماءَ ليس إرثَ المجراتِ وابن سلالةِ الأرض؟ لتمنحوه إذنًا ليكتب الشعر كالفرزدق وابن جرير ويجيب أوكتافيو باث، كيف لا نُولد من أسئلةٍ غبيّةْ، ونعيش مثل الماء. ثم ينهض كالمخلِّص من رمادِ الوعي يذرف الهزائمَ من وجنتيه، ويبكي؟ ليست هناك معركة تنتصر على الماء؛ وأنتم تنظرون في عينيه ذروةَ مجده السرمدي، ويبكي .0. وجعي مثار دهشتكِ كمن يحسد الطمي على احتواءِ الماء. أنا ابن ترائبِ الوجعِ وصُلبِ سُلالةِ المُنتهى/المشتهى أنا أصْلي لاجئُ وقتٍ في منافي الزمان. .. أنا أصْلي لاجئُ ماء. أنا ضائعُ العتباتِ المُسنّات أنا رأسُ ميّتٍ يتلصص كيف تنفذ من فوهاتِ البنادق. وأنا ابن كلبٍ أورثوه حراسةَ البيتِ من لصوصِ الذاكرةِ ومن قراصنةِ البعير. ليس لديّ وطنٌ، سوى الماء أبيتُ في ثلاجته حتى قيامةِ النسر المُجنّحِ من مناجل أختبئ في دُرجِ مكتبهِ الفارغ من غيومِ السقفِ ومن بيوضِ العناكبِ وانشقاقاتِ الوجود. "قصائدي نبتت من الماء" في مجسّم غانيةٍ تصلّي: لماءٍ يمشي على الحائط، لماءٍ يرتدي جبّةَ الصوف ويطلق لحيته لماءٍ ينتصب عند ركبتيها، ويقول لها: "قومي يا زانيةً، جسدُك لي جسدُك هيكل الطهر، ادخلي بعُريك في الماءِ من بابه الضيق من كُوّةٍ في جدارِ صوته الربوبيّ، "أنا الماءُ مجدُكِ" لستُ ضوءكِ المنبوذِ من لذّةِ العتماتِ، ونهرَك المسقوفِ بالريحِ.. ولستُ فنارَ انهزاماتـِكِ! اذهبي لعمّالِ المناجمِ وأقحميهم بفضّة صدرك الناصعة، اذهبي بحطبِ ضلوعكِ واحرقي الثلوج في شهواتِ الخائفين. اذهبي هناك في وهدةِ الآلهةِ، في محمياتِ وحوشهم وارتكبي خطيئة الأنثى المتوهج لحمُها. أنا المُخلِّص!" .. أنا المُخلِّصُ ، لا زلتُ، لفضّيّةِ جسدكِ المائي من قبضةِ الرب. * نشرت في مجلة #إبداع المصرية الصادرة عن #الهيئة_المصرية_العامة_للكتاب 2024


الكاتب: محمد حسني عليوة
0المفضلة
40 المشاهدات
0 تعليقات