• مانيكان! ( قصة قصيرة)

    يأتيها صوت ارتطام حذائها مرتفع الكعب بالأرضية مع كل خطوة تخطوها ، رفعت يدها برقي تعدّل ياقة قميصها الأبيض مزركش الصدر و العنق بينما تكمل خطواتها بتأن ، تناظر السماء حينا و الأرض حينا آخر ، شاردة في شئ ما لا تعلمه !. أخرجها من شرودها رائحة لعطر نفاذ تغزو مساحتها الآمنة فوجدت نفسها تركض بينما تدعو أن ينجو حذاؤها ، توقفت أخيرا بعد وقت ليس بالقليل ، حانت منها نظرات سريعة إلى محيطها تغلفه بنظرة المرأة التقييمية ، التقت عيناها بعدد من العابرين لثوان معدودات كانت كافية لسبر أغوارهم همست بنفسها " مساكين البشر حقا" .. عادت إلى خطواتها المحسوبة كأنما تخطو على الجليد ، عدلت ياقتها ثانية ثم سترتها تستعيد مظهرها الأنيق المهندم إلا من حبة عرق نافرة على جبهتها إثر مجهود بذلته في الهرب ، بارعة في الهرب كما دائما ! غزت خلاياها رائحة المخبز الذي مرت أمامه فأشعرتها بحنين غريب لرائحة مشابهة كان يعبق بها منزل ما في زمن ما ! لا تتذكر ولا تريد أن تتذكر ! تحطيها أصوات متداخلات ، أحدثت ضوضاء بعقلها الهادئ بينما أتاها صوت مدلل لطفلة ربما تكون في السابعة إذ ترجو والدتها " أمي أرجوكي ، أريدها..ليس لدي أية ألعاب جديدة " ارتسمت ابتسامة ساخرة بعقلها تكرر كلمات الطفلة " ليس لدي أية ألعاب جديدة !" حاولت أن تحافظ على هدوئها و لكن هيهات .. انفلتت منها ضحكة ساخرة مرتفعة ، فناظرها المارة مشدوهين ، منهم من ألقى نظرة عابرة ومضى و منهم من انتظر رؤية مشهد لا يعوض لسيدة مهندمة فاتنة جنت !..تضحك بينما تسير وحيدة !.. و للمرة التي لا تعرف عددها أدت دور السارق الهارب ببراعة تُدَرس ، ركضت لمدة لم يدركها عقلها حتى أخيرا توقفت .. تتساقط قطرات العرق غزيرة على وجهها ، ترتجف قدماها بينما أرهقت رئتاها صعودا و هبوطا ، و أنهك قلبها من خفق متتالٍ سريع ، شهقت بعلو إذ شعرت بقطرة يتيمة من العرق تمر عبر عمودها الفقري ، تمر قشعريرة بسائر جسدها ، ثانية ، اثنتان ، ثلاثة ، أربعة .......... حتى أخيرا هدأت أنفاسها و استقر نبضها ، أخرجت منديلا تجفف وجهها من عرق أغرقه بينما تمرر لسانها فوق شفتيها تشعر بجفافها أسفله ، ندت عنها آهة متذمرة تضرب الأرض بقدميها كطفلة في العاشرة ... ناظرت الطريق حولها متفحصة بينما عضلات وجهها منقبضة و عقلها يعمل كآلة صماء ، تذوقت الدماء فاستدارت سريعا تناظر وجهها في زجاج المحل الواقفة أمامه ، تنهدت متململة ، لقد جُرحت شفتاها من جديد ، أخرجت مرطب شفاهها من حقيبتها الصغيرة العصرية و بدأت تعالج شفتيها بتأنٍ ... ترى نظراتهم موجهة إليها و لكنها تتجاهلهم : هم ونظراتهم ، تتظاهر بالغباء ، استمرت قليلا حتى انتهت و وقفت تناظر نفسها بالزجاج ... بدأ الضجيج حولها يخفت شيئا فشيئا بينما تركز النظر على " المانيكان " الأنيقة داخل " الباترينة" ، أمعنت بها النظر فإذا بها ترى دموعها تتساقط على وجهها ، رفعت يدها تضعها على الزجاج مؤازرة إياها و رأت .. المانيكان تقترب من الزجاج هي الأخرى !... شعرت بقلبها يكاد ينفجر رعبا و روحها تسقط تحت ضغط هائل ، مادت الأرض تحت قدميها من هول المفاجأة ، هالها جفاف حلقها ، تطرف بعينيها سريعا لا تعرف أتهرف أم تواسي هذه المسكينة الباكية هنا ، ابتلعت لعابها و كادت تبتلع لسانها معه ، مرتعبة و هي القوية !.. اقتربت أكثر من الزجاج بعدما حسمت قرارها ثم تحدثت بصوت أنثوي متحشرج " أنت تتحركين ؟! " رفعت المانيكان رأسها تناظرها و خُيل إلى الفتاة رؤية عيون المانيكان تلمع ...فتحت فيها بغية الحديث و لكن الكلمات ولّت هاربة ، انعقد لسانها فاكتفت بمناظرة هذه المانيكان .. مسحت المانيكان دموعها تتحدث بصوت راق " أنت رأيتني أفعل فلم السؤال؟!. أظن أن بك شيئا من الجمال " تشربت وجنتاها بحمرة خفيفة إذ مدحتها مانيكان صُنعت لتمثل الجمال ! بدأت رهبتها تتطاير مع النسمات اللطيفة حولها ، تمعن النظر بالمانيكان أمامها ر فعت يدها تعدل ربطة عنقها بينما تتحدث مواسية إياها.. " و لكن لماذا كنت تبكين ؟! لَم يتحقق ما كنت ترجين ؟! أم أن حبيبا غدر و ولّى مع الهاربين ؟! لا تبكي فما تذرفه عيونك ثمين !." أعطت الفتاة ابتسامة أغتصبتها للمانيكان و لكن فشلت عضلات وجهها في احتمال كذبها فاستحالت ابتسامتها عبوسا ، ناظرتها المانيكان بنظرة العارف... " التفاتك لي يعني أنك تتألمين لن أثقل عليك و لست من محبي التخمين و لكنني أخبرك أن دمعك ثمين ! و كل من يحزنك فهو الحزين أأخبرك قصة بها قلبك تريحين؟" رفعت عينيها المتعلقتين بالأرض تناظر المانيكان ، لمعت عيناها فأخذتها المانيكان كعلامة موافقة .. ابتسمت المانيكان معتدلة في وقفتها تعدل ياقة قميصها الأبيض مزركش الصدر والعنق و أتبعتها بتعديل وضع سترتها بينما تضع حقيبتها الصغيرة أرضا ، ارتضت مظهرها فأردفت " عندما كنت إنسان كنت ممتلئا بالحنان كنت ذا عينان براقتان أنظر إلى العالم بافتتان و لكن الآن.... أنا مانيكان! يراقبني من كان فنان و هناك من يراقب باحتقان أشعر بالامتنان لملابس تسترني بلا منان أشعر بالامتنان لأنني لست بإنسان أو ربما أنا إنسان ! و هم من الجان ! أطلق لروحي العنان و هم يقيدونها بإتقان...." صمتت المانيكان تلتقط أنفاسها الهاربة ، تراقب رد فعل الفتاة المتحمسة للتالي من الكلام ... ولكنها تابعت الصمت حتى ارتسمت أمارات الإحباط على وجه السيدة الصغيرة .. زاغت نظرات المانيكان حول الفتاة و تراجعت للخلف بخوف يشابه خاصتها ، نظرت السيدة حولها بترقب ، ترى كل تلك الوجوه الغريبة تناظرها بنظرة تعرف معناها صرخت حتى لكأن صوتها يتمزق " أنتم من الجان !" عادت تناظر الزجاج تستحث المانيكان على الإكمال ... صفعها الإدراك بقسوة مرافقا لجملة أحدهم " لا حول و لا قوة إلا بالله " و ابتلعها الظلام !!...

    الكاتب: نوران محمود

    0المفضلة

    24 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من نوران محمود

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • مانيكان! ( قصة قصيرة)