• كوخ الأحلام وبيت الذكريات

    صرتُ أتخيل تلك النهاية التي ستنفض عن روحي الغبار، نهاية تضع نقطة حاسمة لتاريخٍ أوجعني، وتفتح لي بابًا نحو بداية لا تشبه هذا الماضي المتآكل. أرى نفسي أكتب قصتي الجديدة، لا أخطها فقط، بل أنتزعها من أعماقي، ألتقط الكلمات كمن يجمع شظايا حلمٍ تكسّر على حافة الأمل، أخشى أن تفلت مني، أن تضيع قبل أن تكتمل، فأكتب بجنونِ العطشى للحياة، كأنني أخشى أن يغلق الكتاب قبل أن أبوح بكل ما يختلج صدري. أبعثر الفرح بين السطور كما تبعثر الرياح بذور الربيع، أزرع وردة هنا وأخرى هناك، أملأ الكلمات بأنفاسي وأرسم فيها ظلال أحلامي، فلا يكون الحبر مجرد حبر، بل حياة أخرى تنبض بين الأوراق. أراقبني وأنا أبني كوخًا صغيرًا، ليس قصرًا شامخًا، بل ملاذًا يليق بروحٍ أرهقها التيه. كوخٌ بسيط، لكنه دافئ بوهج الأحلام التي تسكنه، لا يحتاج إلى زخارف، ففي بساطته يكمن سر الراحة التي لم أجدها في القصور الفاخرة. لكن بينما أستسلم لهذا الدفء، تتسلل إلى ذاكرتي أطياف بيتٍ قديم، يقف على حافة الانهيار، جدرانه منهكة كأنها لا تستطيع الصمود أمام عبث الزمن. أتأمله طويلًا، أتساءل كيف احتمل سكانه البقاء وسط هذا الخراب؟ ثم يخترقني الإدراك كوميض برقٍ مباغت... كنتُ أنا من سكنت هذا البيت، كنتُ أنا من حبستُ نفسي بين جدرانه المتصدعة، كنتُ أنا من تركتُ الذكريات تتسرب من نوافذه المهشّمة. أعود إلى كوخي الصغير، أغلق الباب خلفي كما لو أنني أغلق باب العالم بأسره، أتنفس هواءً نقيًا خاليًا من صدى الحزن القديم، أحتضن هذا الدفء كمن وجد أخيرًا ما يكفيه، فلا يحتاج إلى أكثر. هنا، لا مكان للوحدة، ولا للموت الذي يتربص بالأحلام. إننا نلجأ إلى خيالاتنا عندما تعجز أقدامنا عن السير فوق الطرق الوعرة، نكتبها بوجداننا وكأن الحروف مفاتيحُ سرية تفتح لنا أبواب الحياة التي لم نجدها في الواقع. وربما، في يومٍ ما، سيأتي من يضيء أحلامنا الخافتة، من يبعث في الكلمات روحًا، فتصبح حقائق نابضة بالحياة. وحتى يحين ذلك اليوم، سنظل نرسم السعادة بمداد قلوبنا، نبنيها بيدينا، ولو كانت مجرد كلمات على ورق، فذات يوم، ستنبض بالحقيقة. وربما، سيغدو الحزن غريبًا عن أرواحنا، مجرد أثرٍ باهت في صفحاتٍ قديمة، حيث لا مكان له بيننا.

    الكاتب: بـسمـلـة مـديـن

    0المفضلة

    23 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من بـسمـلـة مـديـن

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • كوخ الأحلام وبيت الذكريات