• قهوة( قصة قصيرة )

    يدور حول نفسه كالممسوس ، يحيط عنقه بإحدى يديه ، يخدشه بأظفاره ، فيما عرفت يده الأخرى الطريق إلى رأسه يجذب خصلاته حتى لكأنها تتمزق حينا و يضرب جمجمته بقبضته حينا ، يغزو الألم خلاياه ، تختلط دموعه بلعابه ، تقرحت عيناه من كثرة البكاء ، تحرقه وجنتاه ، حرارة دموعه ألهبتهما ! يحيطه صوت قطرات المطر تدق نافذته ، إيقاع مميز يستطيع الرقص عليه ! سقط على أرضية الغرفة يشاهد قهوته بينما تنضج على نار هادئة ، يشعر بتلك النار تحرقه ، تلك الشعلة البسيطة تهلك روحه و تفتت قلبه لقطع صغيرات !... شهق بصوت مرتفع ، يدخل في نوبة بكاء جديدة ، ندّت عنه صرخات متتاليات ، آهات متوجعة ، يضرب رأسه بالحائط خلفه فيغزوه ألم من نوع جديد ، رفع أنامله يمسح دموعه ، قطرة فقطرة ، ليس متعجلا البتة فكل قطرة تثيره ، يناظر تلك القطرات المتجمعة على أنامله الآن بينما تغزوه رغبة مريضة بتذوقها ، يقرب إصبعه السبابة من فيه بتأن ، يلعق دموعه العالقة به !... ثوان معدودات و إذ بضحكاته تشغل الفراغ حوله كأنها تريد أن تطبق على حنجرته و تقتله . عاقلٌ هو ، يتلبسه الجنون!!... نهض يتحرك حركة رتيبة فيما اعتملت إحدى يديه في تقطيع خصلاته بينما انغرست أظفاره في راحة يده الأخرى حتى أدماها ، ينظر إلى دمائه نظرة المشتهِي تحدثه نفسه أن يلعقها ، فلا بأس !.. لا تختلف عن الدموع شيئا ، ربما تكون مفيدة في النهاية ، ربما تنقيها معدته ، فهو يعرف أن دماءه مدنسة!.. مسح راحته بقميصه الأبيض ، لقد عدل عقله المريض عن تلك الفكرة الرمادية ، رغباته تضحي أكثر قتامة مع كل ثانية تمر ، يخشى أن يستيقظ برغبة جديدة في مضغ كبده !... عقله الآن يأخذه إلى زاوية قاتمة ، فقفل عائدا إلى رشده !... يشعر بروحه تُسحب من أطرافه ، تسللت برودة جليدية إلى أطرافه إثر هذا السحب المؤلم . كأنما يوجد تنور مشتعل داخله ...يحترق قلبه تحت وطأة ألم خفي .. أمسك قهوته ، يراقبها متيما و لم يخرجه من تغزله بها سوى صوت أغصان تتمايل إثر ريح عاتية تضربها ، و وريقات مدللة تتسلل إلى غرفته لتحتمي من البرودة . مسكينة ! لا تعلم أنها هنا قد تتجمد بردا فوجوده يكفي!... يراقب قهوته المتمايلة كأنما تؤازر الأغصان الباردة في تمايلها ، ولكنه يعرف !. يعرف أنها تغار ، تغار من أن يعطي اهتماما لغيرها ، ارتشف منها ببطئ محسوب ، فتفجر مذاقها المر بفمه مذكرا إياه ... يخطو إلى الخارج بتأن حتى وصل إلى نهاية شرفته و إذ برياح باردة تلفح وجنته فسرت قشعريرة مؤلمة بسائر جسده ، ناظر السماء بعيون خاوية ، يراها مظلمة كأنما تؤازره ، اختبئ القمر باستحياء ! عاد يناظر قهوته ، يتذكر أنثى لها بشرة قهوية و شعر قاتم كالسماء في هذه اللحظة ... ظن أنه تخطى يوما ، ولكن اكتشف أنه ملوث بوحل الماضي ... يذكرها بكل تفاصيلها ، كيف تسرق قهوته ، و كيف أن قهوته أضحت مرتاحة برحيلها !! ما عادت لها حاجة أن تغار بعد الآن !.... تأتيه أفكار غريبة فماذا إذا تناول قلبه مع القهوة في الصباح التالي ، مرت رجفات متتاليات بسائر جسده ، يرتجف عمه الفقري من برودة مفاجئة أيقظته ، شهق تند عنه صرخة مرتفعة أتبعها بآهة باكية تغرق الدموع وجهه إذ أصابه داء التذكر !...

    الكاتب: نوران محمود

    0المفضلة

    22 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من نوران محمود

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • قهوة( قصة قصيرة )