• سمراء ( قصة قصيرة )

    على بعد خطوات قليلة وقف ، تتخطفه أشعة دافئة قادمة من الشرفة ، أشعة من نوع خاص ، خانته عيناه ، يأبى ناظراه إلا الإمعان ، وفي الإمعان موت ، ألا يعرفان ؟! شعر بكل خليه به تتمرد عليه و غضب يتصاعد برأسه ، إنه غاضب على جسمه المتمرد ، يجب على الأقل أن يطيعه جسمه و ألا يكون مثلها يتمرد لأجل اللاشئ ! طغى عليه شعور آخر يعرفه فتنحى الغضب جانبا ، يسمع دقات متسارعة مؤلمة بشكل لذيذ يصارخ بها قلبه ، تتراقص عليها أضلاعه و تتمايل هي على وقعها ! هذه الضلع المتمردة ! يشعر بالهزال يضربه بلا رحمة أو هكذا صور إليه عقله أنه يفعل ، رفع يده بعصبية يبعثر خصلاته بعشوائية شديدة ، يدرك أنها تراه و يعلم علم اليقين أنها مستمتعة بحالته تلك ، تتراءى له ابتسامة وليدة اللحظة تتشكل على محياها ، تراجع خطوات للخلف ، لن يستسلم أبدا ، فقط سيتراجع القهقرى و يعود لينقض ! وقف في تلك الزاوية يراقبها ، يراقب أشعة شمس الغروب تتراقص على بشرتها السمراء ، يهيئ إليه أن وجهها يضيئ بضوء أصفر محمر ، ستقضي عليه يوما ! هو الملوم في هذا ، من أجبره على الزواج من أنثى كهذه ؟! أنثى كاملة ، عنيدة و الأدهى أنها فاتنة ! و كأن الشمس تآمرت عليه معها ، تستمر بمعانقة تفاصيل وجهها بحميمية شديدة ، يشعر بتلك الأشعة تهلكه ، إنه رجل غيور سريع الاشتعال ! كيف تجرؤ على الإحاطة بها بهذا الشكل ؟! هو الوحيد الذي يحق له هذا ، ارتجف قلبه فتوقف عن التفكير ، يزجر قلبه الأحمق يحثه أن يتوقف عن الارتجاف و لا مجيب ! استمر خفقانه المستفز بإيقاع تطرب له أعضاءه و يسمع ضجيجها مطالبة بالمزيد و المزيد ، بدأ يدق الأرض بإحدى قدميه ، مط شفتيه مغتاظا ، يتذكر أيام كان عاقلا راسيا ، لا تحرك أي انثى ولو شعرة به و الآن ؟ الآن يشعر بالجنون ، لأنها تتجنبه ، فقط يوم واحد و هذا ما آل إليه حاله ، تنهد بينما يقترب منها بخطوات وئيدة ، شعرت بخطواته فاستدارت تواجهه ، وقف أخيرا تفصلهما خطوة أخيرة ، نظر للأسفل يمعن بها النظر ، تحمحم بخشونة ثم تحدث بصوت متحشرج " لم الجفاء ؟! أبخلت يوما بعطاء ؟! تعلمين .. انت تنزعين عن قلبي الهناء !" لعنه عقله إذ خرج خاسرا من المعركة للمرة التي لا يعرف عددها ، ثوان معدودات و تغيب خلف نشوة من نوع خاص يرى وجنتاها و قد تشربت بالحمرة كخمر معتقة أسكرته و غيبته عن واقعه ، يراقب ارتجافة شفتيها بينما تمنع ابتسامة سعيدة من الظهور ، فكر : كم أنها قاسية شريرة فاتنة ، أتئد ابتسامة هي الحياة له ؟! رفعت عينيها تناظره ، توقف عن أي فعل و حتى التنفس توقف عنه ، يعرف أنه مدمن لكل تفاصيلها .. يراقب عينيها متيما غارقا ، بريئة عيناها لم تُحدث بهما أي تغيير ، لكل واحدة رسمة مختلفة قليلا عن الأخرى ، وكذلك حاجباها ، تلاشت أي فكرة منطقية من عقله فيما تمردت يده تقترب من وجهها يلامس وجنتها الممتلئة ، ناظرها هائما و همس بصوت متخدر " في جمال العيون كم قيل و قيل من سواد عيونها : هل من سبيل ؟! بتار - لا أبالغ - الرمش الكحيل و هل أقسى من عيون خيل عربي أصيل ؟!" تشربت بالحمرة ثانية و ما لبث أن زار العبوس محياها فتحدثت تخفض عيناها " و لكن عيني ليست بالواسعة !" ارتجف قلبه بين أضلاعه فيما تغيب عقله إذ شرب من خمر وجنتيها ، كأن سحبا من السكينة تجمعت و أمطرت بعقله ، فتغبشت عيون عقله قاتلة كل منطق ، يعرف أنها تتدلل وهو يحب تدليلها ! فأردف مغمغما " و هل رأيتِهما بعيون قلبي؟ " رفعت وجهها و ارتسمت السعادة بكل تفاصيله ، ابتسمت و اتسعت ابتسامتها مبرزة وجنتان ممتلئتان ، مرر إبهامه على جفنها ، مغيبٌ و غارقٌ و هائمٌ على وجهه ، حضورها مقدس ، ينسيه أن ثمة عالم حولهما ، تحدث أخيرا بعد طول صمت يتأملها - سمراءه الفاتنة - " يجذبني سحر العيون يصنعن بي كل جنون كأنهن السيف المسنون و كيف بالله السبيل إلى الكُنون ؟" صمت يراقب بهاء سعادتها بالكلمات ، مرر يده على وجنتها من جديد فرفعت يدها تحيط كفه بكفها ، سرت قشعريرة دافئة بسائر جسده و أكمل مسندا جبهته إلى جبهتها "و عشقي فاض و أغرق الكون " أحاطها بيديه يضمها و تنهد مرتاحا .. يا ألله ، رفقت بها و لم ترفق بقلبي ، و كأنها خلقت لتؤلم قفصي الصدري بانشقاقها عنه ! همس بأذنها مغمغما "أمِن قلبي تغضبين ؟! أتدعينني ليهلكني الحنين ؟!" ردت أخيرا هامسة " آسفة ، هل تسامح سمراؤك الحمقاء ؟" طبع قبلة رقيقة على وجنتها فتشربت بحمرة الخجل من جديد ، دفعته بعيدا خجلة ، فعلت ضحكاته المتسلية العابثة و امتلأ المنزل بصخب ضحكات خشنة مختلطة بأخرى ناعمة لسمرائه الفاتنة !....

    الكاتب: نوران محمود

    0المفضلة

    49 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    غزل Love قصة قصيرة عشق 

التعليقات (0)

المزيد من نوران محمود

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • سمراء ( قصة قصيرة )