مغلقٌ للجرد
Feb 28, 2025 08:57 PM Feb 28, 2025 08:57 PM
مُغلق للجَرْد - ينام كلما فتح كتاباً، يحاول أن يقاوم شذرات نيتشه الجنائزية فينام، ومرةً يتهرّب من امتعاق لونه بتشريحات سيوران فينام، ليلة أخرى يسدّ الصّدع في جدار غرفته قبل أن تدبّ حشرةٌ عملاقة على جسده فيصمت كافكا وينام، حاول أن ينفض الحربَ عن ذاكرة بطل سفايغ فاختنق بالمعتقل.. ونام. ينام كلّما فتح كتاباً، ويَنسى متى طوى الصفحة الأخيرة حين يقوم، أحياناً بعد مغيب الشمس، وغالباً منتصف الليل وسَطَ بركةٍ من الغرق. يزيح الكتابَ العالق بجسده، متخلصاً من طوقِ النّجاة، يتركُ الريحَ تأخذه أينما شاءت ليُبحرَ يومَه في تفاصيل دوّار البحر. لا يعرف اسماً حقيقياً للبشر الذين يقابلهم، يتعرّف إليهم من ملامح وعباراتٍ وأسمالٍ رِثّـة، أو هيئاتٍ متأنقة وأصواتٍ تتغوّل في ذاكرته، يحاول أن يكون بطلاً جديدا يغيّـر الأحداث، غير أنه يتحّول سريعاً إلى شخصية ثانوية، في الجَرد اليوميّ، في المخزن المكتـظ، في الشوارع القليلة التي يَخرج إليها، وعند مفترق كل انعطافةٍ تعودُ به إلى عتبة الأرشيف الذي يحرسه. هو الهامش الذي لم يُكتب عَبثاً وينساه العابرون غفلةً، يخط صوته بقلم الرصاص وينسى في أي صفحة أصابه الصمم. لم يكن يريد أن يستغرق في الكتبِ هذه الليلة، كان يحتاج مِساحةً للأصوات التي ضجّ بها رأسه لتذوب على دفتر اليوميّات، حملَ الكتب وركنها في زاوية المخزن، أزال مجموعات أخرى فاختفت النافذة العلوية، تسلّل إلى التجويفة التي ينام فيها ودفع الكومة التي تسند رأسه وجسده فتبعثرت، ركلَ بقدميه مصفوفة طويلة فترامت بعدها مصفوفات الكتب المتجاورة وسدّت الباب. استلقى على الأرض مباشرة محشورا بينها، حاول فهرسة الضجيج بورقة بيضاء وقلم الرصاص فأدرك أنه فَقد العناوين، داخ في دوّار بين ألوان مغبرة وعبارات جديدة تصرخ في رأسه، ظلت تستنجد حتى لفّها الطوفان. لم يفتح كتاباً تلك الليلة، رجل آخر اشترى الكتب بعد سنةٍ من السوق القديم، كان سعرها مخفّضا بسبب "الجَرد"، حملها وهو يَقْطر عرقاً نحو المخزن من جديد، ليعاود حراسة الأرشيف.


الكاتب: أفراح فهد الهندال
0المفضلة
20 المشاهدات
0 تعليقات