• روليت : رصاصة الرحمة! ( قصة قصيرة )

    منكمش بالزاوية الأبعد من تلك الغرفة ، خانقة ، مظلمة وهو أيضا مظلم ، يذوب ظلامه في ظلامها ببطئ شديد و هو سعيد ! يتمنى لو يذوب حتى لا يبقى منه شئ فيتلاشى ! ترك قدميه تتمددان إذ آلمتاه إثر ضمهما بتلك القوة ، رفع يده بتثاقل يتحسس ذقنه الشائكة ، بينما يوجه نظره إلى السقف ، يجد السقف مثيرا بشكل غريب لدرجة تجعله يرغب فى التعلق به ، يتفحص كل إنش منه بتلذذ ، فليمدد بحبل للسماء ! هذا ما فكر به ، غزت أنفه رائحة عفونة و صوت قطرات متتالية تدق الأرضية ، دقق النظر بإحدى زوايا الغرفة ليرى السقف يقطر ، و ليس هذا ما استرعى انتباهه و إنما هذا الكيان الغريب الجالس بهذه الزاوية المظلمة يتلقي تلك القطرات ! ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه ، ما لبث أن أخفاها إذ جرحت شفتاه إثر جفاف أصابها و أصابه ، يعيث بجسده و روحه فسادا ! أمعن النظر أكثر بتلك الزاوية يرى كيان بائس متربع على الأرضية تحيطه قطرات الماء ببركة صغيرة و شئ أسود منتشر حوله ، كأنما يشكل حدودا لوجوده ! اشتعل الفضول برأسه فنهض يتحامل على قدماه ، ترنح و شعر بدوار مفاجئ ، ارتد إلى الخلف فارتطم بالحائط ، طاف صوت ارتطام عظامه في الغرفة الخاوية ، يشعر بصوت الطقطقة يعبر كل خلية به ، عانى حتى اعتدل أخيرا ، يقف مترنحا تصرخ عضلاته ألما يجتاحها، بدأ يخطو يزداد ترنحا مع كل خطوة يخطوها ، مرت رجفات قوية عبر نخاعه ، يرتجف عقله هو الآخر ! اقترب أكثر ، يلفه صوت صراخ مفاصل ركبتيه ، طقطقة ظهره و ألم يغزو روحه ! ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهه ، كم أن حاله الآن مثير للسخرية ، يقترب أكثر و أكثر و ما حدث أودي بالباقي من عقله و منطقه ! جحظت عيناه إذ رأى هذا الكيان الغريب ينهض متثاقلا كأنما لم ينهض منذ سنوات ، يرى ارتجافة قدميه ، وصله صوت عظام الغريب إذ ارتطم بالحائط ، رآه يقترب منه بخطوات وئيدة ، رآه و قذف الرعب في قلبه ، أحاطته رائحة العفونه ، انكمش أنفه ، تراجع خطوة للخلف فتقدم ذلك الغريب خطوتين ، و كأن خوفه هو الدافع له ليتقدم! ارتجفت شفتاه فضغط عليها بأسنانه عله يوقفها و قبل أن يرتد إليه طرفه ، كان ذلك الغريب غير المرغوب به أمامه ، لا تفصلهما سوى خطوة واحدة صغيرة أو ربما دون الخطوة ، لا يعرف ، فقد كل إحساس منطقي بالزمان أو المكان ! من هو ؟! ماذا يفعل ؟! ، ما الغاية و ما الطريق ؟! كلها أسئلة دارت بخلده ، تقوده إلى الحافة ! حافة جنون جديدة ، و هو مجنون بالفعل ، لقد قفز من حافة ما قبلا ولكن يبدو أن الجنون محيط عميق و هو شره يستزيد ! يحتاج للاستزادة من محيط الجنون ، ليستطيع الحياة مع تلك العيون أو ربما يعرف سبيلا للكنون ؟! صفعه الواقع عدة صفعات متتالية إذ احتجت غدده جميعا من تلك الرائحة ، فتح عيناه ببطء فعرف نظره الطريق إلى وجه خطت عليه دواهي الّزمن ما خطت و سُكب الشيب في شعره حتى استحال بياضا خالصا ! و عينان خاويتان ، مرهقتان متقرحتان ، لا يبالغ ابدا ، هذا الغريب في حالة يرثى لها ، توقف يستوعب لثوان ، هو أيضا في حالة يرثي لها ، يا للسخرية ! رفع يده يناظر باطنها المتشقق جفافا ثم ظاهرها ، يرى أظافره و قد أصبحت طبقات بعضها فوق بعض كأنها قشور تأبى التجانس معا ، كل طبقة تنبذ أختها نبذا ! تماما كطبقات قلبه ، كل أذين يكره بطينه و يود لو يقتله و يستأثر بالسلطة على جسده ، كل فص من عقله يود لو يموت الآخر فيكون هو السيد الآمر الناهي بهذا الجسد ! و بين هذا كله ، قابع هو متعجب من هذا الاقتتال على اللا شئ ، يتقاتلون لأجل جسد خاو مثل هذا ؟! رفع رأسه ثانية يناظر هذا الكيان الغريب ولا يسمع أي شئ سوي صوت دقات لزخات من المياه تتساقط على الأرضية ، مرر عينيه على الغريب من رأسه إلى هزال صدره نزولا إلى يديه ؟! يديه ؟! يمسك بها سلاح ناري من نوع كولت ! ماذا يفعل ؟ من هذا ؟ ما هذه المسرحية السخيفة الآن ؟ دارت هذه الاسئلة برأسه كذباب يدور حول قمامة عفنه ! أحاطه حفيف كحفيف افعى فدقق النظر ، أدرك سبب الحفيف المريب ، هذا الغريب يرفع يديه بمسدسه الآن ، ارتعب بينما يرى الغريب يوجه المسدس إليه ، بين عينيه ، أغمض عينيه بقوة ، تصرخ مقلتاه تحت الضغط ، تنفر حبات العرق من جبهته و الدموع تأبى النزول فما عادت تطيق تراجيدية حياة المختل الذي يستجديها الآن ! أليس من حقها على الأقل أن تذرف فرحا ولو مرة ف العمر ؟! شهق بعلو اثر قطرة عرق باردة تتراقص على عموده الفقري ، ففتح عيناه ... رأي الغريب و قد حول فوهة سلاحه ليصبح موجها إلى رأسه ، أيريد الانتحار ؟! فكر سريعا ، ما لبث أن تنهد مرتاحا ، خرج من موضع التهديد ! وصله صوت متحشرج متململ " ها نحن ذا و ها هو صغيري بين يداي ، أشعر بملل قاتل ، ولكنك بكل تأكيد تشعر بما هو أكثر من هذا ، ألم ، حزن ، ضعف و ربما شئ من جنون ! ما رأيك بثلاث دورات من الروليت الدامي لتسلية شخص ملول و الترفيه عنك ايها الحزين ؟ " تسمر غير مستوعب لما يحدث و ما لبث أن قهقه قهقهة ساخرة " أمستعد أنت للتخلي عن حياتك بتلك السهولة ؟!" ناظره الغريب بعيون مألوفة جعلته يشعر بعدة مشاعر مختلطة ، وصله صوت الغريب " إذا كنت أنت مستعد فأنا كذلك بالطبع " تنهد باستياء من الموقف ، يرفع يده اليمنى ، يبعد هصلاته الطويلة عن وجهه ، اتسعت عيناه إذ رأى الغريب يرفع يسراه ليبعد خصلاه البيضاء هو الآخر ، ناظر يسراه فوجد أنه يحمل كولت أيضا ، احتج عقله بما تبقى لديه من منطق ، فكيف أتى هذا السلاح إلى يده و كيف لم يدرك حتي الآن أنه يمسكه و الكثير من كيف ! رفع وجهه بينما مط شفتيه بخط رفيع يشعر بشئ ما يجثم على صدره ، ربما هو الجاثوم ، و لكنه ليس نائما ، أهو شئ افظع حتى من الجاثوم ، أليس الحزن جاثوما أيضا ؟! أغرقه عقله بالعديد من الاحتمالات من جديد ، فكر بسخرية مريرة " كم أن عقلي بارع بالهرب من كل شئ ؟!" ناظر الغريب و لاحظ أن الكولت بيده اليمنى كأنه نسخة من خاصته ' منافسة عادلة ' يشعر بالبرودة تجتاح أطرافه ،تكتسح روحه الخاوية من اقشعر جسده مع رؤية الغريب و قد وضع سبابته على الزناد ، وصله صوته " كتبت في مذكرتي كتبت أن العمر يجري و كلٌّ أصر على هجري عقلي لألمي يعري و نار بقلبي تهري كنت ذات يوم مفرِ كخيل عربي مِكرِ و الآن ؟ أنا ضعيف كمهرِ" يتبع....

    الكاتب: نوران محمود

    0المفضلة

    101 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    قصيرة قصة 

التعليقات (0)

المزيد من نوران محمود

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • روليت : رصاصة الرحمة! ( قصة قصيرة )