• المتعوس(٢)

    المتعوس بقية الجزء الاول (٢) وعلا صوته وأمسك بتلابيب العجوز يجرها إليه ويصرخ في وجهها مش كفاية أني عشت يتيم محروم من كل حاجة؟ كفاية أحس أني أقل واحد في زملائي؟ كفاية شكلك وهدومك اللي يكسفوا؟ كفاية شغلك في الأرض وتنقلك بين الأسواق كلافة علافة؟ أنت عايشة ليه؟! اللي زيك كلهم ماتوا عايشة علشان تنغصي حياتي؟! انت النقطة السودا في حياتي؟! ربنا ياخدك…. وأغلظ لها القول وعيرها بجهادها عليه وعلى أخواته وقيامها بأمرهم كما يقوم الرجال، فصار ما أملته من حفظ للجميل واعتراف بالتضحية سبة وإهانة وعارا يتوارى منه الفتى ويود لو ألقاه وراء ظهره ونسيه، وأنى له ذلك وأمه كائن قائم يحمل هذا التاريخ لحمه ودمه، ولم يكن هذا ليتأتى له حتى يبيع أمه وأخواته كما باع البيت ولا يلوي عليهن حتى يصرن نسيا منسيا. باتت الأم باكية شاكية إلى الله تسأله التدبير وحولها بناتها بين باكية وواجمة وصامتة ومعزية. لم يكن لهن مناصٌ إلا أن يرجعن عبر الزمن للقرون الأولى فصنعن لَبِناً وجففنه في الشمس وجمعنا الباقي من طوب ومن هدم أهل القرية وبنين المساحة الضيقة التي تركها لهن أبوهن بالطوب اللبن وسقفنها بالجريد والبوص والخوص واستعدت الام لتنتقل اليها ومن بقي معها من بناتها التي عجلت بزواجهن لمن طلب الزواج من إحداهن. تحصل فايز على ثمن الدار وذهب به للمهندس ممدوح الذي اقترح عليه أن يضع المبلغ في شركة توظيف أموال تعطيه ثلاثين بالمائة ربحا سنويا وهو أنفع له من أي شيء آخر وهو يتعامل معهم ويحصل على دخل ثابت ومضمون ففعل دون روية او مشورة. وعندما مر عام وتحصل على ثلث ما دفع تقريبا ربحا ظل يحسب الأرباح وأرباح الأرباح وأرباح بقية ما ترك له أبوه وكم يكون المبلغ بعد خمس سنوات وبعد عشر سنوات وحلق بين الأرقام والأحلام فعجل ببيع الأرض كما فعل بالبيت دون علم أمه وأخواته. فخرت أمه صعقا بغرفتها التي بنتها من طين الأرض التي سلبتها كما سلبت بيتها هي وبناتها ولم يتحمل كبدها الصدمة فانصدع غما وانفطر هما وفاضت روحها وهي تئن وتبكي وتقول: حسبي الله ونعم الوكيل. لم يمض عدة شهور على ايداع باقي ما باع به المتعوس أرضه في شركة توظيف الأموال حتى أعلن عن هروب النصاب الذي سرق أموال المودعين وهربها للخارج واختفى، واختفى معه المهندس ممدوح وابنته ولم يجد المتعوس فايز ملجأ له إلا غرفة الطين التي بنتها أمه من طين أرض الأباء والأجداد، واستأنف المتعوس عمله طبيب امتياز لا يملك قوت يومه فبحث عن عمل يساعده على العيش ولجأ لمستوصف طبي يعمل فيه ظنا منه أن الأمر سهل فوصف لمريض دواء حقنه له تتسبب بموته بسبب الحساسية واستدعته النيابة فأمرت بحبسه لمزاولة مهنة دون ترخيص وانتحال صفة طبيب والقتل غير العمد إذ لم يكن أنهى تدريبه وبالتالي لم يحصل على شهادة ولا ترخيص مزاولة المهنة ولا تسجيل في نقابة الأطباء. بكى في السجن منتظرا الحكم عليه متوسلا لآمنة أخته أن تغيثه وقد تخلى عنها وعن أمه وأخواته من قبل! لجأت آمنة لصديق أبيها الاستاذ ماهر مستغيثة باكية وقصت عليه ما حدث وحضر في الجلسة الأولى للمحكمة التى ترافع فيها قاضٍ لبقٍ مسلحٍ بتقارير التحريات والمباحث فقال فيها: إن النيابة إذ توجه للمتهم تهمة مزاولة مهنة بدون ترخيص، وانتحال صفة طبيب، والقتل غير العمد تطالب بتوقيع أقسى عقوبة على القاتل الماثل أمام عدالة المحكمة وهي تبين لكم أن هذا المتهم لم يكن له دافع إلا الطمع والجشع، والرغبة في الثراء أيا كان السبيل. ذلك الطمع الذي جعله يبيع دارا تأوي أما عجوزا وبناتا يتامى، ويبيع أرضاً يتعيشن منها غير مبالٍ بمصيرهن ولا مكترث لمأواهن ولا توسلات أم قهرها حين ألقى بها على قارعة الطريق لمصير لم يكلف نفسه مغبة التفكير فيه ولا التدبير له حتى جادت بروحها أسفا ومات قهرا وحزنا وهو هو هذا الماثل أمامكم قاتل أمه وقاهرها. ثم دفعه الطمع والجشع أن يقامر أو يرابي بماله كله في شركة توظيف أموال حتى خسره وسُلبه كما سلبه من قبل فكان كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. لقد باع هذا المتهم البر والشرف والأمانة والمروءة والنخوة في سبيل أطماعه وحبه للمال حبا جما وأكله للتراث أكلا لما فلا ترحموا من لا يرحم ولا تحفظوا من ضيع ولتكن العقوبة وقاية لملايين الأمهات والأخوات من جور الطامعين وظلم الظالمين ولملايين المرضى من الدجالين والمشتغلين بالتطبيب وهم داءٌ لا دواء تحالفوا مع المرض فهو يسلبهم صحتهم وهم يسلبونهم أموالهم. ولهذا تطالب النيابة بتشديد العقوبة وتغليظها مذكرة بموت الأم قهرا وحزنا جراء قسوته وغلظته. لم يجد الاستاذ ماهر الذي لم يتجهز للدفاع بعد بدا من طلب التأجيل للنظر والاستعداد فتأجلت القضية لأجل معلوم. ذهب الاستاذ ماهر بشكله الوقور بصحبة آمنة وأخواتها لأسرة المتوفى وشرح لهم الظروف التي تمر بها أسرة المتعوس وحاجة أخواته له وبين لهم أنه لم يحضر بصفته محامٍ بل بصفته صديق أبيهم والموصى بهم وذرفت عيون البنات بالدموع فرقت لهن أسرة المتوفى ووافقت على التنازل عن القضية والإقرار بأن دور فايز كان قاصرا على الحقن فقط وليس هو من وصف الدواء وأنه سألهم عن تاريخ سابق للحساسية من الأدوية فأجابوا بالنفي، وكذلك قرر المستوصف الخاص في شهادته أنه وظّفه تابعا لمساعدته ولم يوظف كطبيب إذ أن ذلك يستلزم شهادة وترخيصا وهو ما ليس معه، وبذلك أسقط المحامي بدافعه التهم عن ماهر وانتزع له براءة صعبة بعد أن وعى الدرس وتعلمه بالحديد والنار. في الغرفة المسقوفة بالجريد والخوص بات فايز لأول مرة حيث كانت تبيت أمه، كان الجو باردا والظلام يلف القرية، فرعدت وأبرقت وفتحت أبواب السماء بماء منهمر، لم يحتمله السقف البدائي فأخذ يتسرب بين مكوناته ويسيل على وجه فايز محملا ببعض التراب والطين اللازب فرأى وجه أمه العجوز مبللا شاحبا ضعيفا باكيا ففرت العبرات من عينيه واختلطت بماء المطر. خالد مطير السعودية ٢٠٢٤

    الكاتب: خالد مطير

    0المفضلة

    23 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    الم حزن عقوبة عقوق درس 

التعليقات (0)

المزيد من خالد مطير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • المتعوس(٢)