• لذة الفقد

    الفقد… ذلك الشعور الذي يطرق أبواب القلب دون استئذان، يقتحمه بعاصفة من الحنين، ويتركه مغمورا في الفراغ. لطالما هربنا منه، تجنبناه، ظننا أنه ألم خالص، مرارة لا تحتمل، لكننا لم نتوقف يوما لنسأل أنفسنا: ماذا لو لم يكن هناك فقد؟ ماذا لو بقي كل شيء كما هو، دون نقصان، دون غياب، دون رحيل؟ هل كنا سنشعر بقيمة ما نملك؟ هل كنا سنعرف معنى الشوق؟ الحقيقة التي نرفض الاعتراف بها أن الفقد –رغم قسوته– يمنح الحياة عمقا آخر، يجعل اللحظات العادية مقدسة، والذكريات أثمن من أي كنز. لولا الفقد، لما ولد الشوق، ذلك الشعور الذي يجعل القلب يخفق كلما تذكرنا صوتا اعتدنا سماعه، أو ضحكة كانت تملأ أيامنا، أو لمسة كانت تمنحنا الأمان. الشوق هو ما يبقي الأحبة أحياء فينا حتى بعد رحيلهم، هو ما يجعل الأشياء العادية استثنائية، وما يجعلنا نلتفت إلى التفاصيل التي لم نكن لننتبه لها لو لم نفقدها يوما. قد يبدو الفقد موجعًا، لكنه أيضا درس خفي، يعلمنا كيف نحب بعمق، كيف نتمسك بالأشياء قبل أن تذوب من بين أيدينا، وكيف نحيا كل لحظة وكأنها الأخيرة. هو الذي يجعلنا نتذوق الحياة كما لم نفعل من قبل، فنعرف قيمة اللقاء، ونقدر نعمة الحضور، ونتعلم كيف نصنع من كل لحظة ذكرى تستحق أن تبقى. لعلنا لا نعترف بذلك، لكن الفقد –بكل ما فيه– ليس عدوا لنا، بل صديق يهمس لنا بأن نعيش بحب، ونحب بصدق، ونحفظ في قلوبنا كل ما لا يبقى…

    الكاتب: بـسمـلـة مـديـن

    0المفضلة

    38 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من بـسمـلـة مـديـن

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • لذة الفقد