"متحللة"
Apr 13, 2025 06:57 AM Apr 13, 2025 06:57 AM
الغرفة ضيقة، كأنّ الجدران تلتفّ حولها ببطء... كل شيء فيها صامت، لكن الصمت ذاته يصرخ. الستائر مُسدلة، ثقيلة، كأنها تتدلّى من السقف كجثث معلّقة. الضوء الوحيد قادم من شاشة الهاتف المُنطفئة، التي تعكس وجهها المهشم. على الأرض: أوراق مبعثرة، زجاجة ماء نصفها فاسد، وسجادة بالية كأن أحدهم داس على ملامحها ألف مرة. الهواء راكد… له رائحة عفن، خليط بين دم قديم ونَفَس مكتوم. تجلس على حافة السرير، يداها ترتجفان. لكنها لا تلاحظ. عيناها مُحدّقتان في اللاشيء. تنظر نحو الجدار وكأنها تراقب شيئًا يتحرك خلف الطلاء المتقشر. أنفاسها متقطعة، صوت شهيقها مثل مكنسة مكسورة تحاول ابتلاع الغبار، وصدرها يصدر صوت احتكاك، كما لو أنّ عظامها تئنّ من الضغط. وخز خفيف في أصابعها. ثم ارتجاف. ثم تيبّس مفاجئ، كأنّ الأعصاب نفسها تتمرّد. تشعر كأن جلدها ضيق جدًا على عظامها، كأن روحًا أخرى تحاول الخروج منها عنوة. دموعها لا تنزل، بل تنفجر. تنفجر من عينيها كأنها ماءٌ ساخن يحرق خديها. تضع يدها على أذنها… لكنها لا تمنع الضجيج. هناك صوت… خافت… كأن أحدهم يهمس داخل رأسها: "لا جدوى.. لا فائدة، لا تحاولي..." تبدأ أطرافها تتخدر، تشعر كأن النمل يزحف داخل عروقها، كأن عظامها تتفتّت وهي جالسة، كأنّها تتحلل ببطء وهي على قيد الوعي. تتقدم نحو المرآة، تنظر… لا ترى ملامحها. فقط عينان واسعتان جدًا… واسعتان بشكل غير إنساني. تحت عينها كدمات لم تخلقها يد، بل خلقها الليل. شفتيها زرقاوان، مشققتان، وجهها أبيض كأنه مغطّى بطبقة من رماد الموتى. تتحرك بخطوات غير متزنة، تسند نفسها على الحائط، تحاول أن تبتلع نفسها في الظلال، صدرها يعلو ويهبط بعنف، كما لو أنّها تركض داخل سجن مغلق، تصطدم بالأفكار، بالخوف، باللاجدوى. تضحك فجأة… لا بسبب شيء، بل لأن عقلها انكسر. ضحكتها مشروخة… أشبه بصوت كائن يتألم تحت الأرض. تهمس لنفسها: "أنا أنقرض… كل دقيقة تذيبني أكثر. كل ثانية تُفقِدني ملمحي." تسقط على الأرض، الأرض باردة، لكنها تحترق بداخلها. تضم نفسها… ترتجف كما لو أنّ كل شيء في العالم يحاول طردها. تُغمض عينيها أخيرًا… تتمنى ألا تفتحهما مجددًا. لكنّ النبض يستمر… رغمًا عنها… النبض يستمر.


الكاتب: بـسمـلـة مـديـن
0المفضلة
26 المشاهدات
0 تعليقات