• الأميرة البائسة

    في ظلال دوحة غناء أول فصل الربيع في النصف الأول من القرن الثامن عشر جلس الملك في حديقة القصر المترامية تحت مظلة بيضاء مطرزة عليها شعار دولته، تغمره موسيقى طبيعية من تغريد الطيور وحفيف الأوراق وصوت لأمواج البحر، وتبهجه مناظر الأشجار النادرة والورود الناضرة، وحشمه وخدمه الذين يقفون في أبهة ملكية رهن إيماءة أو كلمة سامية. خرج رئيس الطاقم الطبي للعائلة الملكية تقدمه الأميرة هالة شقيقة الملك الوحيدة من باب القصر وهو يفيض بشر ويتهلل فرحا يبشر جلالة الملك بمولودة سامية سعيدة ستملأ أنحاء البلاد وأحناء العباد بهجة وبشرا. وكيف حال جلالة الملكة؟ سأل الملك بجلال ملكي وهو يتناول فنجان القهوة في مجلسه الملكي وبهاءه. انحنى الطبيب وهو يطمئن جلالته على صحة الملكة والأميرة الوليدة. وتقدمت الأميرة هالة بتهنئة أخيها الملك الذي أمر رئيس الديوان بصرف مكافأة لكل موظفي الدولة. ومنح يوم إجازة للاحتفال بمولد الأميرة .... ثم نظر إلى شقيقته وقال: نسميها زهرة ومد يده وقطف زهرة رائعة وقدمها لأخته وهو يقول: لأنها ولدت في الربيع تماما كما ولدت هذه الزهرة. اسم جميل يليق بسمو الأميرة يا جلالة الملك قالت الأميرة هالة وهي تبتسم سعيدة. ظلت الصحف أسبوعا كاملا تحتفي بالمولودة الأميرة وتهنيء الملكين والشعب في مقالات أدبية وقصائد شعرية وتهاني مدفوعة يتبارى بها كبار رجال الدولة وأصحاب الأعمال والوظائف الرفيعة، ولم يحرم الفقراء من الشعب من المشاركة بفانوس أخضر أو أحمر أو علم يرفرف أو صفيحة من الجير ملونة، أو رسمة متواضعة على جدار بيت متواضع في الأزقة والحواري. في المساء وخلف الأبواب المغلقة والجدران السميكة من الطين، وتحت الأضواء الخافتة تهامس الفقراء الجائعون عن بذخ الاحتفاء بمولد الأميرة بينما يموت أبناءهم جوعا وتتوطن الأمراض في دورهم. عاشت الأميرة في قصور الملك تنعم بالديباج والذهب والفضة والطيب وحنو أب ملك يسمع إذا نطق ويطاع متى أومأ. في قصور منيفة وحدائق ذات بهجة كأنها الجنان. لا تدري عن أصحاب الكد وأرباب الجد شيئا. ظلت في هذه النعمة عشر سنين وفي نفوس الناس نار تحت الرماد وآمال تتجدد وتزداد بالخلاص من تلك الحقبة العقيمة في نظرهم وقد نسجوا الأساطير واختلقوا الحكايات عن فساد الملك وحاشيته حتى دعا داعيهم وناد مناديهم أن هبوا للخلاص فتدافعوا كعادة الناس إذا اهتاجوا وتشجعوا، فطردوا الملك والأميرة بنت عشر سنين، وولي عهده وولده الوحيد دونها ببضع سنين. نفي الملك على غير توقع عبر البحار إلى جزيرة صغيرة نائية لم يلبث فيها طويلا قبل أن تمتد له يد الغدر بسم دس في طعامه هو وابنه الصغير ففارقا الحياة في كوخهما الصغير يتلويان ألما ويتحسر الملك ندما على ملكه الذي ضاع من يديه، وولده الذي يموت بين عينيه، والأميرة تقف باكية حزينة قليلة الحيلة لا تملك من أمرها شيئا. لم تجد مكاتباتها عبر البحار ولا توسلاتها للحاكم الجديد أن يمد لها يد العون أو ينقل رفات أبيها وأخيها إلى بلده التي حكمها هو وأسلافه بضعة قرون ولا أن يسمح لها بالعودة مواطنة من رعاياه كغيرها من الناس. فقد كان ذلك تاريخ لا يريد للناس أن يتذكروه أو يذكروه. لم يكن للأميرة الصغيرة غير قليل من الحلي التي سمح لها بها يوم النفي وبعض متعلقات الملك تبيع منها وتنفق على نفسها في جزيرة يصعب العيش فيها إلا سائحا أو عاملا يأكل من عمل يديه. تعرفت الأميرة البائسة الوحيدة خاوية الجيب والقلب إلى فتى حسن الهندام حلو الكلام أبدى انبهارا بتاريخها وعاملها كما تعامل الأميرات والملكات فازدادت شغفا به وحبا له حتى تزوجها، وعاد بها إلى فرنسا بلده حيث جردها من كل ما تبقى لها من حلي وتركها وحيدة لا تعلم عنه شيئا واختفى إلى الأبد. لم يكن لها من حيلة إذن إلا العمل لتكسب عيشها وقد فقدت كل إحساس تجاه البشر وعاشت وحيدة منعزلة في غرفة ضيقة أسفل عقار لا تصلها الشمس ولا يتغير هواءها، وفراش خشن وطعام رديء، لا يؤنسها فيها إلا ذكريات باهتة عن ملك عظيم وملك أعظم، وبعض الصور الملكية التي تجرحها أكثر مما تفرحها. مرت السنون عجافا لا خفافا والأميرة البائسة لا تجد غير الدمعة مؤنسة حتى تسلل السل إلى رئتيها عبر الهواء البارد الراكد والماء الآسن والطعام الفاسد، فبات يذيب شحمها ويأكل لحمها حتى ذبلت الزهرة اليانعة، ونحلت الفتاة اليافعة ولزمت الفراش عليلة لا تملك حيلة. في مساء يوم من أيام الصيف تسللت رائحة كريهة عبر النوافذ، استدعى لها الجيران الشرطة فكشفت عن موت الأميرة في سرير الموت نازفة من رئتها ليس حولها كوب ماء ولا كسرة خبز. ولا شيء ينبيء عنها غير تلك الصور الباقية من حقبة ماضية. في سطر متوار بين الصفحات أعلن على استحياء عن موت الأميرة زهرة آخر سلالة الملك الراحل. على دكة صغيرة أمام بيته المتواضع جلس كهل كليل البصر يطالع الصحيفة وقد حلق عبر سنوات الماضي بعدما قرأ خبر النهاية الحزينة للأميرة المسكينة فرأى الملك في أبهة الملك والقصر ومولد الأميرة وزينات الشوارع وعناوين الصحف تحتفي بالمولودة السعيدة، وتحدرت دموعه وهو يرى نفسه فتى أنيقا يقدم الطعام للملك، وتنهد وهو يقول: يا للدنيا! ليس لها أمان.

    الكاتب: خالد مطير

    0المفضلة

    111 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    أميرة نهاية حزينة ملك ضياع 

التعليقات (0)

المزيد من خالد مطير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الأميرة البائسة