• أُسكِنُ رُوحهُ روحي

    (١) ١١ أيار ٢٠١٥م ١١ أيار ٢٠٢٥م عشرة أعوام، هل تبدو بعيدة جدًا؟ أم كأنها البارحة؟ لستُ أدري. لكني أشعر بروحك تسكنُ روحي، أجدها في شهامةِ أخي وحكمته، وفي كرمِ أختي ورويّتها، وفي حديثِ عمّتي وابتسامتها، وفي سعةِ صدرهم ولطفهم، وعميقِ حبّهم الذي يُدرك دون أن يبوحوا به، وفي حسّهم الفكاهي الذي بدأ يمتد إلى أحفادِ هذه الأسرة الصغيرة. (٢) منذ مصابي الأول، قبل أن يشتد عودي، تعلمتُ أنه كلما واجهتُ أمرًا لا أعرف التعامل معه أن أُعيده إلى زمنٍ مضى، ذاك الزمن الذي انطلق من الغار وانتقل بالقبائل المتناحرة المتصارعة، إلى دولة إسلامية، اتسعت وامتدت حتى وصلت حدود الصين، وأفريقيا. في ذلك الوقت، كنت أثق في أن مسيرة أمة كهذه لابد أنها قد واجهت الكثير من التحديات واستطاعت تجاوزها بحكمة. ثم في يومٍ كهذا، أدركت حكمة الله في تعليمي تلك الخطوات. عادت بي السيرة إلى وفاةِ رسول الله ﷺ، فكنتُ حينًا كعمرَ -رضي الله عنه- أُقَلِّبُ عَيْنَيَّ في وجهك الوضاء في آخر لقاء، وأتساءل سرًّا: أهو هو؟ كان آخرُ عهدي بك، تقفُ على قدميك، منتصبَ القامةِ، تسألني عن حالي، تثني شماغك على رأسك، مرفوعُ الهامةِ. تمتم قائلًا كعادتك: "توصين شيء؟"، توصيني أن أدعو لك. تودّعني وتمضي. لكن، أنّى لهذا القلب أن يُدرِكَ أنك كنتَ تمضي في دربٍ لا عودةَ فيه؟ أغفو وأحلم أنك ستعود، أمضي في حياتي ثم أفتح الباب وأظن أنك موجود. أنّى لهذا القلب أن يُدرِكَ أن ما كان، لم يكن مَضيًّا معتادًا، بل رحيلًا ممتدًا بلا وداع؟ وكنتُ حينًا كأشدِّ الخلقِ حبًّا لرسولِ الله ﷺ، في حينٍ كنتُ أظنُّ – وما كنتُ أظنُّه إلا حقيقةً لا ظنًّا – أنني أشدُّ الناسِ حبًّا لك. يترددُ في أذني قولُ أبي بكر – رضي الله عنه –: «أما بعدُ، فمن كان يعبدُ محمدًا ﷺ، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبدُ الله فإن الله حيٌّ لا يموت». {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}. فمَن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. فصبرٌ جميل والله المستعان. (٣) أُسكِنُ روحه روحي، وأُلصق اسمه باسمي، ماحييت. ليظل ذِكره حيًّا يتردد على الألسن. في أصولي غير العربية، كان أجداد أمي رغم توارثهم الإسلام من أجدادهم العرب إلا أنهم يتبنّون فكرة 'تناسخ الأرواح'. وُلدت أختي في فترة وفاة جدّتي لأبي – رحمهما الله – فقيل: 'إن روح جدّتي قد انتقلت إلى جسد هذه الصغيرة'. كان أبي – رحمه الله – مسلمًا موحدًا، بدويًّا حُرًّا، يرفض هذه المزاعم ويضحك منها. أما أنا، أكنتُ مسلمةً موحّدة، بدويةً حُرّة، أو حتى –عياذًا بالله– كنت أتبنى أفكارًا لا بعثية وراثة لا إعتقادًا؟ لا أظنّ أنني سأؤمن بفكرة عبثية مبتذلة كهذه! أشعر بالغيرة على روحي، وعلى روح من أحب. كيف لها أن تهيم في جسد آخر؟ فلكل روحٍ طريقها من الرّحم، مرورًا بالقبر، وصولًا إلى نعيم الجنة -بإذن الله-. إلا أن الروح النضِرة يمكننا لمسها بنظرة قلب، بكلمة صدق، ولربما بصمت الحب. يمكننا تسكينها في أرواحنا، بالإيمان بخُلُقها وبمبادئها، وبتحسّس لطفها وحبها الذي يبقى وإن غابت. (٤) هل يبدو الأمر وكأنه مضى بسيطًا؟ الحمد لله الذي يَهَبُ من اليقين ما يهون الحنين. الحمدُ للهِ الذي يَهَبُ من اليقينِ يقينًا ممتدًا، فليس بعد فقدِهِ فَقْدٌ. أُسكِنُ روحه روحي، وأُلصق اسمه باسمي، ماحييت. ليظل ذِكره حيًّا يتردد على الألسن. - مُنى سالم https://on.soundcloud.com/YzqPmm1KkGL5NfR86

    الكاتب: منى سالم

    0المفضلة

    109 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    رثاء 

التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من منى سالم

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • أُسكِنُ رُوحهُ روحي