• (معلمة الوطنية) قصة قصيرة

    بقلم الأديبة تغريد طالب الأشبال سنة التأليف 2010/2011 حقوق التأليف محفوظة في گوگل (معلمة الوطنية) …………… لعنت حظها العاثر وهي في طريقها إلى المدرسة حيث انتهى بها المطاف أن تكون معلمة تربية وطنية وهي التي كانت تحلم أن تبني وطنها وتساهم في رقيه كأن تكون طبيبة أو مهندسة ظنا منها إنها بهاتين المهنتين تستطيع أن تشارك ولو قليلا في بناء الوطن الغالي ولكن شاء القدر أن تكون معلمة وطنية تتعامل مع تلاميذ من كل الأشكال بروائحهم المختلفة وملابسهم غير النظامية بألوانها المتنافرة وشعورهم الشعثاء المغبرة . لطالما كرهت هذه الأشكال الصغيرة وصعب عليها التعامل معهم، وفي غمرت أفكارها وصلت المدرسة ورأت التجمعات الكبيرة لتلاميذ المدرسة فذهلت،(يا الهي ! ما أكثر هؤلاء العفاريت والشياطين بوجوههم البريئة براءة الملائكة ؟ كيف لي الاستمرار في التعامل معهم ؟ ) لطالما أرهقها التعامل معهم لصعوبة المادة التي تدرسهم إياها كونهم لا يعون الكلمات التي تقرأها عليهم وتشرحها، حينها رن الجرس ودخلت الصف لتبدأ بقراءة الأسئلة الامتحانية للشهر الأول في الصف الخامس الابتدائي وهم في أول تجربة لهم لاستذكار ما حفظوا من سطور مبهمة ليضعوها على أوراقهم البيضاء بخطوطهم المتعثرة والتي أسمتها معلمتهم طلاسم : خطوط لاتينية .وقد قرأت عليهم السؤال الأول وهو(صح أو خطأ)لتفهمهم طريقة الإجابة وإذا بأحدهم صرخ من مكانه (ست النقطة الأولى (صح) فصفعته على خده بقسوة جلّما نهاها عنها المدير ونصحها بالرفق بتلاميذها لأنهم صغار . نزلت دموع التلميذ على خديه وهو لا يعلم سبباً لصفعه حيث لم تخبرهم أن الامتحان يجب أن يكون صامتاً وبدون كلام ، تلكأ الصغير وترك القلم فسألته بتهديد: لماذا لا تكتب ؟ فأجابها:(لقد نسيت ما حفظت).... تألمت في داخلها وبدأ ضميرها يؤنبها بأنها كانت السبب في نسيانه للمادة . عادت إلى البيت وهي تحمل معها وخز الضمير الذي أبكاها كثيرا حتى قضت ليلتها في البكاء متفكرةً في طريقة تعاملها مع التلاميذ منذ أن تعثر حظها في تحقيق حلمها وتعيينها في هذه المدرسة التي كرهتها من أعماقها . استيقظت في اليوم التالي نشطة فرحة لا تعرف سببا لفرحها ، جهزت نفسها وذهبت إلى المدرسة كعادتها ، وصلت باب المدرسة فرأت الجموع الغفيرة من التلاميذ دخلت المدرسة في ذهول وهي تمشي الهويدة:( يا الهي ما هؤلا الملائكة الصغار في وجوههم الشيطانية ؟ ما أجمل شعورهم التي اشعثها الهواء ؟ ما أطيب هذه الريح التي تنبعث عند لعبهم المستمر ؟ ما أجمل هذه الملابس البراقة التي حملت معها ألوان الزهور ومتعة الحياة؟ ما أجملهم من صغار يركضون ولا يتعبون يلعبون ليلا ونهارا لا يثنيهم شيئا عن اللعب) .. كم كنت أتساءل : لِمَ جعلهم الله أحباءه؟ إنهم يبعثون البهجة في الحياة بأفواههم الضاحكة ،بأصواتهم المغردة كأسراب طيور تَرِفُّ في السماء،إنهم يلعبون بدون وعي منهم ولا يعرفون ما يفعلون ولا يقصدون ما يقولون.. يا الله وكأني أراهم لأول مرة في حياتي ) . أسندت رأسها إلى إحدى أعمدة الممر المؤدي إلى ساحة المدرسة: يا الله ما أجملهم من صغار ، اللهم أحفظهم من أذى أنفسهم إنهم صغار ) . دخلت الصف الخامس بعد أن انتبهت على رنين الجرس وقد شرحت لهم طريقة التعامل في الامتحان بعد أن أجَّلَتْ امتحان الأمس إلى اليوم بسبب ذلك الصغير الذي صفعته فجأة بدون ذنب يرتكبه ،بدءوا يسطرون الأحرف تلو الأحرف على أوراقهم البيضاء بإملاءٍ متعثر وأسطر مائلة وحروف طالما أسمتها لاتينية. بدأت تتمشى بين صفوف الرَحلات وتنظر إلى ظهورهم المحنية على الأوراق محاولين استذكار الكلمات التي قرؤها تحت ضغط وتأثير ذويهم لانهم منهمكين في اللعب كثيرا ، بدأت تمعن النظر بأيديهم الصغيرة الملتفة على الأقلام بشدة محاولة. الانتصار على الأفكار المتلاطمة في صفحات عقولهم الصغيرة يا الهي ما أصعب هذا الوقت بالنسبة لهم إنهم يجاهدون ويحاربون في سبيل الوصول إلى جملة مفيدة لا يعرفون معناها (فماذا تعني الوطنية بالنسبة لهم؟ وماذا يعرفون عن السلطة والسيادة والتاريخ المشترك؟وما معنى الدستور بالنسبة لعقولهم الصغيرة ؟وماذا يعرفون عن مجلس النواب ومجلس الوزراء ؟ أسئلة كثيرة رددتها في داخلها و هي تتأمل أناملهم الصغيرة التي كان بعضها رقيقة مترفة حرمت متعة اللعب وكان بعضها مزينة بجروح مندملة من كثرة استخدام المسامير وسوء استخدام المطارق والمفكات وبعضهم تحددت أظافره بلون أسود من كثرة الأعمال اليدوية التي مارسها والأصباغ التي عبث بها ،تأملت شعوره التي احسَّت بأنها لوحة فنية رائعة رُسِمت بطريقة عجيبة،أمعَنَت النظر في ملابسهم التي كانت على مستوى واحد من النظافة بسبب استمرارهم على اللعب بالرغم من تفاوت مستوياتهم الاجتماعية ،تبسمت حين رأت بعضهم قد انسدل بنطاله إلى آخر ما يستقر عليه البنطال وبعضهم تبعثرت قمصانهم حتى بانت ظهورهم منها بسبب حركاتهم العشوائية ، كان بعضهم قد تشققت أكمام قمصانهم وآخرون شُقَّت ياقاتهم بسبب العراك أثناء الإستراحة بين الدروس،وغيرهم تمزق بنطاله من موضع الركبة بسبب حركته الفجائية قفزا بين الرحلات.. (يا الله ما أجملهم إنهم أحباب الله في الأرض) واصلت طريقها بين صفوف الرَحلات وبدأت تحاول أن تقرأ ما يكتبون فوجدت نفسها تستطيع فك الرموز والطلاسم وتستطيع ترجمة حروفهم اللاتينية فقد استطاعت أن تقرأ عبارة (الصلصتو التشريبيتو) على إنها ( السلطة التشريعية) وعرفت أن(الأگوال المشتركة) هي تعني (الأهداف المشتركة) وعبارة ( اصلطتي أصحفيتي ) بأنها (سلطة الإعلام) ... (يا الله ما أجمل تعبيرهم وما اغرب عباراتهم؟). توقفت بها قدماها عند احد التلاميذ وتذكرت الحوار الذي دار بينها وبينه عندما شرحت لهم معنى المواطن الصالح حيث سألته حينها :این سرحت يا على؟ فأجابها وهو واضع كفه الصغير على خده ومسند مرفقه إلى الرحلة :(أنا مواطن صالح) قالت له: (وكيف عرفت ذلك ؟) فقال لها: ( الم تقولي إن المواطن الصالح هو الذي يقدم انجازاته وابتكاراته إلى وطنه؟ قالت: (بالتأكيد ) فأجابها (سوف آتي لك غدا بجهاز من اختراعي وأهديه لك لانك علمتيني معنى المواطن الصالح) وقد فاجأها في اليوم التالي وقبل تحية الصباح في باب الإدارة (ست هذا جهازي الذي اخترعته) وكان عبارة عن مروحة صغيرة من ثلاثة اذرع ومحرك صغير واسلاك وبطارية ولكنه ربطه ولفه وزينّه بطريقة طفولية تدل على عظمة أفكار صانعه، أخذت حينها الجهاز بكل فخر ولم تستطع حتى أن تشكره من شدة فرحها بهذا الانجاز العظيم انتبهت إلى تلاميذها وهم يؤدون الإمتحان وقد اغرورقت عينيها بالدموع ( يا الهي كم لعبة خربها من ألعابه لكي يصنع لي هذا الجهاز المتواضع ) عادت تتفقد تلاميذها وهم منحني الظهور على أوراقهم محادثين انفسهم بصوت مسموع في استذكار النقاط المطلوبة منهم في الامتحان مستخدمين أصابعهم الصغيرة في حساب عدد النقاط المراد شرحها منهم ،واصلت جولتها بين الرَحلات متاملة تلاميذها الصغار الذين عانوا من فضاضة معاملتها لهم حتى توقفت عند محمد فتذكرت أمنياته الصغيرة عندما سألته لماذا يدك مربوطة يا محمد ) فأجابها لقد انجرحت بالسكين)... ( ولِمَ تلعب بالآلات الحادة؟) فأجابها لأني كنت اصنع كرسيا لأخي الصغير ) فقالت له ولكنك صغير على هذه الأعمال وها قد عرضت نفسك للأذى فقال ( لا ست أنا اعرف صناعة هذه الأشياء جيداً فأنا أحب النجارة كثيرا والعمل في الخشب فنصحته بأن هذه الأمور تعيقه عن الدراسة ،فرَدَّ بثقة عالية :(لا ست أمي وأبي يقولان لي ادرس حتى تخدم وطنك ولكني أظنهما مخطئين لأني أشعر بأني اخدم وطني عندما أكون نجارا ولذلك قررت أن ادرس لأرضي والديَّ وأن أكون نجارا بعد الدوام لأخدم وطني العزيز ) عندها انتبهت وقد شعرت أنها راضية عن نفسها لأنها حققت رغبتها في بناء وطنها بهؤلاء الصغار الذين غرست في نفوسهم حب الوطن وجعلتهم يشعرون بأنهم مواطنون صالحون قادرون على خدمة وطنهم وهم في هذا السن المبكر من العمر ... بكت وتساقطت دموعها :(يا الهي لقد حقق هؤلاء التلاميذ حلم حياتي ما أعظمهم وأعظم أفكارهم بالرغم من إمكاناتهم الجسدية المحدودة بسبب صغر حجمهم، إنهم يفكرون في كل صغيرة وكبيرة يفكرون في كيفية بناء وطنهم بطريقة لا نعرفها نحن الكبار ونفسرها على إنها عِبء وشيطنة وتخريب في حين أن عقولهم الصغيرة تفكر وتفكر، على اختلاف ظروفهم يفكرون فقراءهم وأغنياءهم يفكرون الأيتام منهم وغير الأيتام يفكرون لا يثنيهم حاجز عن التفكير ويعبرون عن تفكيرهم بألعابهم المختلفة التي لا تحدها حدود، إنهم كبطارية لا تنضب من الطاقة، هم يختلفون في طريقة تفكيرهم عنا نحن الكبار فنحن نفكر في صناعة أنفسنا وارتقاء أعلى المراتب وأحسنها،نحن نفكر بأنفسنا بأنانية لا حدود لها، أما هم فيختلفون كثيرا ، إنهم يفكرون بصناعة الوطن دون أن يعرفوا ذلك، إنهم يفكرون في مساعدة الجميع والجميع منشغل عنهم مهمل لهم باعتبارهم صغار لا يفهمون .. ولكنهم في الحقيقة يفهمون ، قد يعيقهم لسانهم عن التعبير وقد يمنعهم جسدهم الصغير من انجاز ما ينجزه الكبار ولكنهم يفكرون بطرق بنّاءة ولو كان هذا الكون مكيفا لأحجامهم الصغيرة لازدهر بأيديهم الصغيرة وبأفكارهم العظيمة ... يا الله كم أنا محظوظة لأني عرفت قيمتهم الحقيقية ، إنهم من أعظم المخلوقات، إنهم يمثلون أسرار الله في خلقه ويَدُلون على قدرته في خلقه، إنهم أحباب الله وجنة الدنيا ... سبحان الله

    الكاتب: د تغريد طالب الأشبال

    0المفضلة

    35 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    story 

التعليقات (0)

المزيد من د تغريد طالب الأشبال

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • (معلمة الوطنية) قصة قصيرة