• طيفها يطاردني

    لا أعلم إن كانت ستسامحني… لكنني قدتُ السيارة إليها، وأنا أرتجف. كل خطوة نحوها كانت كأنني أقترب من الحقيقة التي تهرّبتُ منها لسنوات. جئتكِ يا نانا… جئتكِ لأقول إنني اشتقتُ إليك. جدّتي "نانا" كانت امرأة جميلة، أنيقة، محترمة، طيبة جدًا وحنونة، ويحبّها الجميع. لم تُفرّق يومًا بين أبنائها، وكانت تردّد دائمًا: "كلكم أولادي." كنتُ قريبةً منها جدًا، وقد عشتُ أجمل سنوات حياتي برفقتها… إلى أن رحلت فجأة، من دون سابق إنذار. ألمٌ حادّ في معدتها أدخلها المستشفى، وبعد أسبوع واحد فقط… رحلت "نانا". كان خبر وفاتها صدمة كبيرة بالنسبة لي. ما زلتُ أتذكّر أيامها الأخيرة… آخر مرة رأيتها فيها، كانت موصولة بأجهزة التنفّس. كنتُ أزور المستشفى، لكن لم أكن أملك الشجاعة لدخول غرفتها. لم أحتمل فكرة رؤيتها ساكنة… بلا حراك. رحلت "نانا" كنسمةِ صيفٍ عابرة، دون أن تودّعني… كأنها كانت تعرف أن الوداع سيكسرني. لماذا رحلتِ فجأة يا نانا؟ لماذا تركتِ قلبي معلّقًا؟ في يوم الجنازة، قبل الدفن، أتذكّر جيدًا ذلك المشهد الذي لم يفارقني أبدًا. كانت بنات عمّي يدخلن الغرفة التي وُضع فيها نعش "نانا"، يقبّلن جبينها وخدّيها للمرة الأخيرة. أما أنا، فوقفتُ أمام الباب، عاجزة تمامًا عن الاقتراب، غير قادرة على وداعها الوداع الأخير. كنتُ أرغب بشدّة أن أرى وجهها مرة أخيرة… أن أحفظ ملامحها في ذاكرتي، لكنني بقيتُ ساكنة عند الباب... لا أرى شيئًا، ولا أشم سوى رائحة الموت. كانت رائحة الصابون القوي، ذاك الذي غُسّل به جسدها، تملأ الغرفة وتطغى على كلّ شيء. لم أستطع البكاء... كنتُ أشاهد مراسم الدفن وكأنني خارج نفسي، دون أن أشعر بشيء. أتذكّر ضحكتها... صوتها وهي تناديني باسمي... يديها الدافئتين، ورائحتها . زرتها عدّة مرات بعد الدفن، ثم فجأة، أصبح الأمر متعبًا جدًا بالنسبة لي... فتوقّفتُ عن ذلك، ورحلتُ من المدينة. لكن "نانا" لم ترحل من روحي... كانت تزورني دائمًا في المنام. كان الحلم يتكرّر: تدخل، تجلس في غرفة الجلوس في منزلي، لا تتحدث، وتبدو غاضبة مني جدًا. كنتُ دائمًا أسألها: "ما بكِ يا نانا؟ لماذا أنتِ غاضبة مني؟" لكنها لم تكن تجيب... كانت تظلّ صامتة ثم ترحل. تكرّر هذا الحلم طوال السنوات الماضية... وخلال هذه المدة، لم أزر قبرها ولو لمرة واحدة. كنتُ أعلم أنها غاضبة مني... لأنني لم أودّعها كما ينبغي، ولأني توقّفت عن زيارتها. بعد ساعتين من القيادة نحو المقبرة، وصلتُ أخيرًا. كان النهار يوشك على الانتهاء، والليل يزحف ببطء… المقبرة كانت فارغة تمامًا، وهادئة بشكلٍ مخيف. أوقفتُ السيارة، وقلبي ينبض بشدّة. كنتُ خائفة ألا أتذكّر مكان قبرها... لقد مضت تسع سنوات على آخر زيارة. المقبرة تغيّرت كثيرًا. ترجّلتُ من السيارة، وما إن لامستني نسمات الهواء الباردة، حتى شعرت كأن روح "نانا" تلامس وجهي. خطوة بعد خطوة، كنتُ أمشي نحو قبرها… وكل خطوة ترافقها نسمات باردة، كأن روحها تقول لي: "أهلًا بكِ... عدتِ أخيرًا." وصلتُ إليها... نعم، تذكّرتُ مكان قبرها. جلستُ بجانبه، وصمتٌ عميق يملأ المكان. شعرتُ أن روحها تعانق قلبي. فجأة، انهرتُ أمام قبرها، ولم أجد سوى البكاء وسيلة لأقول لها: "سامحيني... سامحيني لأنني تأخرتُ في المجيء إليكِ." كنتُ فقط أريد أن أحتضنها، أن أروي لها كل شيء، كما كنتُ أفعل دائمًا… أن أستعيد لحظة واحدة معها… فقط لحظة. لحظة واحدة كانت كافية لتُطفئ ألم روحي على فراقها.

    الكاتب: كرم

    0المفضلة

    27 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    story heart 

التعليقات (0)

المزيد من كرم

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • طيفها يطاردني