• نظرتان; الأولى للرحمة، الثانية للقتل

    أنا وقلبي، وضيفُنا هذه المرة مآسينا، والليل يراقبنا من بعيد، على أعتابِ الطريق انزوينا، وجلسنا على كرسيين متقابلين في حديقة منسيّة لا يسكُنها الا شجر الزيتون شيءٌ سفَّه مرتعدي وبدأ بالحديث، كانَ قلبي لا يعرف من الصراخ الا الصمت الصموت، ومن الانسحاب عدا الصمود، كان الجنديّ الوحيد في المعركة وكل المقذوفات من حوله منّي، يمشي بقدمٍ مخلوعة، يمشي متكئًا إلى مالا يَرى لكنه يمشي... بينما أنا كنتُ أذوب على مهل، بصوت يُمحى أثره، وعقلًا انسجن في ماضيه، أحملُ ذكريات مُرقّمة بأرقام للغةِ غير مفهومة، للغةٍ لديها تاريخ صلاحية وانتهت! ذلك التساؤل الصبياني الذي أتاني على أعتاب التأخير قد صَفعني لا شيء يستدعي الانسحاب مالم تُقتَل ! ليس كل مالم أظفر بِه يقتضي الانسحاب ولا شيء هنالك يستوجب الحُزن وليس كل مأخوذ يعني فَقد، ربما في معركة أخرى، خسارتي في هذه المعركة علّها تأجيل لانتصار سيؤخَذ في معركة ما; يكفي ألا تُرفع الراية البيضاء، يكفي أن تبقى في الميدان فشجاعتك ونصرُك أحيانًا يا إنسان يكمُنانِ بالبقاء لا بالفوز دائمًا . كان يجب عليّ أن أصمُد كما صَمَدَ قلبي في فواجعه، ذلك الصمود الذي ما عادت أحرفي تصِفهُ، كان أشبَهَ بالسحابةِ التي وقفت أمام وَجه الرياح لم تندثر ولم تتحرك شبرًا واحدًا كان قلبي جريئًا بما يكفي ليغرس أصابعه في حلق الخسارة ويُخرس الألم بلكمةٍ حتى اختنَق، وبرباطة جأشٍ من قلبي بَثَق الملح في جرحه المفتوح لا ليزيد ألمه بل فعلٌ يؤكد أنه ما زالً حيًّا في صدر الميدان، كان قلبي يُتقِن التحديق ويرتدي رداء الإشاحة، نظرتان، الأولى للرحمة الثانية للقتل، وعندَ مساسِه كان يتلوّن وكأنه قد خُلِقَ داخليَ بنظرتين احداهما للصَفحِ والأخرى للقَتل. وفي نهاية ذلك اللقاء رفعتُ معطفي عن حِجري ولففتُ به جسدي المُرتعش لأُسكِت ارتجافًا سَكَن ركبتاي، فصَدَح قلبي ساخرًا تارةً وعاتبًا أخرى، لما الآن؟ لماذا اصطبرتي اللقاء كاملًا، وعند نهاية اللقاء حيثُ الدفء في الخُطى تدثّرتِ دفأك على عَجل. «وفي لحظة الرحيل لم تكتفي بلباس معطفها، حتى لبست قلبها كما لِبسها للمعطف، وزمّت قلبها زمًّا مُحكمًا كما زُمَّت سُستة معطفها حتى لا يتسرّب ذلك الجُرء والهوية القوية والجسارة الحيّة التي كانَ قلبها منزلًا لها، كانا معطفها وقلبها مُقفلان بقوة تمنع نَفث الألم من الهروب، كعلامة ديمومية لجسارتها وهوية داخلها لا تموت.» داليا ١٠ حَزيرانْ.

    الكاتب: صبر

    0المفضلة

    27 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من صبر

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • نظرتان; الأولى للرحمة، الثانية للقتل

    المزيد من صبر

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة