• هدهد هدى

    كان مراد جثة هامدة غارقة في دمائها، صمت قاتل يخيم على جسده. عَبِقَت الغرفة برائحة الموت، وبقع دماء متناثرة عشوائيًا على الأرض تشهد على لحظات الاحتضار التي شهدتها كل زاوية. هدى، الشابة العشرينية، تجلس على كرسي بجوار مراد. كانت عيونها مفتوحة، ولكنها فارغة، غارقة في صمت عميق. شعرها الأسود منسدل على كتفيها دون اهتمام، وملابسها البسيطة والمجردة من أي زينة كانت تحمل آثار الحزن والضياع. لم يكن هناك أي ميل للهرب أو الهياج على وجهها، بل كانت تجلس كما لو أنها تراقب حادثًا بعيدًا يحدث حولها. رجال الشرطة والمباحث منتشرون في المكان، يقومون بفحص كل زاوية، كل تفصيل في محيط الجريمة. يقترب أحدهم من الجثة ويحاول أن يحدد إذا كانت هناك أي آثار يمكن أن تقود إلى القاتل. في نفس اللحظة، يدخل وكيل النيابة، مدفوعًا بمهمة الكشف عن الحقيقة، ولكن عينيه تظل ثابتة على هدى. **وكيل النيابة:** “استدعوا الطب الشرعي، وأعطونا تفاصيل الجثة.” أحد الضباط يلتفت إلى وكيل النيابة قائلاً: **الضابط:** “حاضر، حضرتك، سنحضر الطب الشرعي فورًا.” ينظر وكيل النيابة إلى هدى، ثم يتجه إلى الضابط فيقول بصوت هادئ لكنه حاسم: **وكيل النيابة:** “ماذا عن هذه الفتاة؟ هل تم استجوابها؟” **الضابط:** “الأسف لا يوجد دليل واحد ضدها لم يتم استجوابها بعد.” **وكيل النيابة:** “ابدأوا إذًا، لا وقت نضيعه.” — بدأ الضابط في توجيه الأسئلة بهدوء، بينما كانت هدى جالسة أمامه، لا تبدو متأثرة بما يحدث حولها. كانت تنظر إلى الأرض، وجهها خاليًا من التعبيرات. **الضابط:** “ماذا حدث؟ احكي لي بهدوء.” **هدى:** (بصوت منخفض، شبه هامس) “لا أعرف.” **الضابط:** “ألا تعرفين؟… يعني ماذا؟ رأيتِ ماذا؟ هل كانت هناك حاجة بينك وبين مراد؟” **هدى:** “لا يوجد… لا يوجد شيء.” الضابط بدأ يشعر بأن هناك شيء غريب في ردودها. كانت ملامح وجهها تعكس صمتًا ثقيلًا، كما لو كانت مغمورة في عالم آخر. لكن كان لديه شعور أن هناك شيئًا لا يُقال. **الضابط:** (موجهاً الحديث لأحد الجنود) “يا عسكري، أحضر قهوتي وضع معها كوب ليمون بارد، لكي تهدأ هدى قليلًا.” ثم عاد الضابط إلى هدى، وابتسم ابتسامة خفيفة، ولكنه كان يحمل في عينيه نظرة حادة. **الضابط:** “انظري، أسلوب الإنكار هذا لن ينفع معي. أريدكِ أن تهدأي، وتشربي قليلًا من الليمون، ونستكمل الحديث لاحقًا.” هدى، التي كانت مستمرة في السكوت، لم تبدِ أي رد فعل. أخذت كوب الليمون ببطء، ولم ترفع نظرها عن الأرض. لكن كان واضحًا أن الصمت يسيطر عليها. كان الأمر يبدو أكثر من مجرد إنكار، كما لو كانت في حالة من العزلة الذهنية. ثم أمر الضابط بنقلها إلى النيابة، حيث الانتظار كان يعكس مزيدًا من الضغط والتوتر في التحقيق. — في مكتب وكيل النيابة، كانت الأجواء مشحونة. دخل الضابط ومعه تقرير لجنة الطب النفسي حول حالة هدى، وهو لا يزال يفكر في الكلمات الأخيرة التي قالها. وكلما نظر إلى هدى، ازداد شكه في موقفها. وكيل النيابة، حاتم باشا، كان يجلس خلف مكتبه، عيونه غارقة في الورق. بدأ يقرأ التقرير بصوت هادئ، ثم رفع نظره نحو الضابط، وقال بصوت جاف: **وكيل النيابة:** “التقرير يقول أنها طبيعية.” ثم نظر إلى الضابط بنظرة نافذة، وكأنما كان يريد أن يضغط عليه بشكل غير مباشر. **وكيل النيابة:** “ما رأيك يا مجدي؟” الضابط، الذي كان يبدو متحفظًا، نظر إلى التقرير بتركيز قبل أن يرد. **الضابط:** “أعتقد، يا حاتم باشا، أنه ليس كل شيء واضحًا حتى الآن. ما حدث غريب جدًا… سكوتها هذا، إنكارها، شيء غير طبيعي. ولكن لو حضرتك تريد أن أقول شيئًا أكثر، أعطني وقتًا، وسأكمل عملي.” **وكيل النيابة:** “حسنًا، نأمر باستمرار حبس المتهمة 45 يومًا على ذمة التحقيق. لكن يجب أن تعلم يا مجدي بيه، هذه آخر فرصة، لو لم تقدم المباحث أي دليل جديد، لن أستطيع الاستمرار في الحبس. لو حدث هذا، سأفرج عنها.” **الضابط:** “. وأنا معك، ولكن يجب أن ننتظر… هناك أمور غير واضحة حتى الآن لم نجد لها مجرد بصمة ولا اي دليل يدينها . وقبل أن يخرج الضابط، أعطى هدى نظرة أخيرة، وعلى وجهه كان يبدو الانزعاج، وهو يعيد التفكير في حقيقة الأمر. يتبع. الى الجزء الثاني محمد m رزق

    الكاتب: محمد محمود رزق

    0المفضلة

    23 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من محمد محمود رزق

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • هدهد هدى