هدهد هدى ج2
Jul 6, 2025 02:23 PM Jul 6, 2025 02:23 PM
في الزنزانة، كانت هدى جالسة في آخر العنبر، بعيدة عن باقي السجينات. كانت ترتدي ثياب الحبس الاحتياطي، التي تُظهر ملامحها بشكل صارم. كانت عيونها شاردة، وكأنها تبحث عن شيء لا تعرفه، أو أنها تحاول الهروب من أفكارها التي تلاحقها بلا رحمة. وفجأة، همست لنفسها بصوت خافت، دون أن تدرك أنها تتحدث: **هدى:** “هكذا أخذ جزاءه، هو يستحق أكثر من هكذا…” ثم توقف ذهنها للحظة، وكأنها تتأمل كلامها، ثم تابعت بصوت منخفض، محاولة تهدئة نفسها: **هدى:** “أمعقول يا هدى… مراد يستحق ذلك… لماذا أنتِ قاسية هكذا؟” بينما كانت غارقة في أفكارها، دخلت مسؤولة العنبر، وهي امرأة متوسطة العمر بملامح قاسية، تحمل في يدها مفاتيح السجون. بصوتها الجاف، نادت عليها: **مسؤولة العنبر:** “هدى السيد!” هدى، التي كانت شاردة، رفعت رأسها وقالت بصوت منخفض: **هدى:** “نعم؟” **مسؤولة العنبر:** “تعالي هنا يا فتاة. هل تظنين نفسك في نزهة؟!” هدى قامت ببطء من مكانها، محاولة ألا تظهر ترددها. كانت تشعر بثقل الأيام في الزنزانة، وأنه لا يوجد من يشعر بما تمر به. نظرت إلى السجينة الأخرى التي كانت تجلس بجانبها، سعاد، وهي تنتظر أوامرها. **مسؤولة العنبر:** “قومي بتنظيف العنبر. وأنتِ يا سعاد، قومي معها.” بعد عملية النظافة تجلس هدى فوق سريرها تستسلم لذكريات الماضي. — ## فلاش باك دخل مراد إحدى المؤسسات الخيرية التابعة له، والمُسَمَّاة “فاطمة” على اسم ابنته التي قُتِلَت على يد متحرش وهي في الثانية عشرة من عمرها، ولاذ بالفرار. منذ ذلك الوقت، كرَّس مراد كلَّ مكاسبه في: * بناء مؤسسة تتفرع منها عدة ملاجئ لأطفال الشوارع. * مدارس وعيادات داخلية وخارجية. * محققين ومحامين لضمان عدم هروب أي متحرش أو مغتصب من عقوبته. وأخذ مراد يتوسع في هذا المشروع، وكان كلما فعل ذلك يجد المال يتدفق في مشروعاته العادية، وكأن الله يقول له: “هذا رزق فاطمة الذي قضى عليه المتحرش، يعود إليك.” عندما جاءت لجنة تفتيش من الوزارة، أشادوا بما رأوه، ومنحوه مسؤوليات إضافية مع إشرافهم على التنفيذ. رفض مراد في البداية، ثم بعد اجتماع في دار رعاية تابع للوزارة، وافق دون اعتراض. لم يكن يعرف أن ذلك الباب الصدئ المتهالك مزلاجه بيد هدى. أثناء الاجتماع، انفعل مراد واتهم الوزارة بأنهم يستغلون مناصبهم، واحتدم النقاش. ارتفعت الأصوات، فجأة… قطع كل هذه الأجواء صوت بكاء خارج الغرفة، بكاءٌ هستيري. صرخ مدير الدار في الباكي دون أن يراه، وأرسل من يُسكت الصوت. لكن مراد انسحب من الاجتماع واتجه نحو الصوت. فتاة في الثانية عشرة من عمرها أو ما يقارب ذلك تبكي بحرقة، والمشرفة تحاول تهدئتها. اقترب مراد منها مأخوذًا، وربت على كتفها قائلاً: **مراد:** “لو عملتُ لكِ كل ما تريدينه، أتسكتين؟” قال هذا وهو يمسح دموعها بيده دون منديل. ابتسمت الفتاة، وقبل أن تنطق، صرخ المدير في المشرفة: **المدير:** “ماذا هناك يا سعدية؟ ألستِ ترين أن عندنا اجتماعًا؟ خذي البنت من هنا! تعال يا مراد، لنكمل.” قاطعه مراد: **مراد:** “أكل ما يشغلك الاجتماع؟! أحضر الأوراق. وقّعها هنا.” بذهول، ركض نائب المدير وأحضر الأوراق، وناوله إياها. مراد، الذي ما زال يبتسم للباكية، وقَّع عليها وهو قرفصاء، ثم أخرج دفتر شيكاته ووقع شيكًا بالمبلغ المطلوب، بشرط أن يتبنى “هذا الملاك”. وافقت الإدارة على الفور. عاد ليسألها أمام الجميع: **مراد:** “لماذا تبكين هكذا؟” **هدى ** “اليوم يوزعون شوكولاتة، وأستاذ منير لم يعطني لأني…” وصمتت. لم يُطلب منها مراد إكمال حديثها، وشعر بخجلها مما لم تقله. احتضنها وأمر طارق السائق الخاص بإحضار شوكولاتة من السيارة (وكان طارق يحتفظ بها في جيبه). قدَّمها للباكية، فرفضت، ثم نظرت إلى مراد كأنه أملها المنتظر… فأخذها مراد من السائق وناوَلها إياها. ضحكت وأكلتها. **السائق:** “يا مراد بك، أنا آخذ من الشوكولاتة عندما أجوع، وهي تنتظرها كل أسبوع.” نظر مراد إلى مدير الدار نظرةً أحرقته دون كلام: **مراد:** “يا أستاذ منير، غدًا سأرسل المحامي لإتمام أوراق البنت، ليس بعد غد!” سألها: **مراد:** “ما اسمك يا حبيبتي؟” **الفتاة:** “هدى.” وأعطته نصف القطعة المتبقية. أخذ مراد الفتاة إلى السيارة. **السائق:** “إلى البيت يا فندم؟” **مراد:** “إلى مركز الدكتور محمد ماضي للطب النفسي.” يتبع محمد m رزق الى الجزء الثالث.


الكاتب: محمد محمود رزق
0المفضلة
15 المشاهدات
0 تعليقات