• بحر وخطيئة

    في إحدى الليالي الهادئة، استيقظ حاتم على صرخة زوجته سوسن وهي تتخبط في فراشها، غارقة في كابوس مرعب. احتضنها بحنان محاولاً تهدئتها، لكنها رفضت أن تحكي له تفاصيل ما رأته في منامها. تكرر الكابوس عدة مرات، وأخيراً قررت سوسن أن تبوح لزوجها بما يؤرقها. قالت له بصوت مضطرب: “أراك في كل مرة تجرني من شعري ثم تغرقني في البحر، نفس المشهد يتكرر مراراً وتكراراً.” بعد أن قصت سوسن كابوسها على زوجها، غادرت المنزل دون أن تخبره بوجهتها، وهو لم يسأل. في مطعم بوسط المدينة، كان شاب في العشرينات من عمره ينتظرها بقلق واضح. كان منير شاباً وسيماً أنيقاً، تضيف وسامته لشبابه سحراً خاصاً. بدأ منير الحديث بانفعال: “لقد قلقتِني جداً يا سوسن! منذ مكالمتك الهاتفية وأنا لا أستطيع السيطرة على أعصابي، تفكيري مشلول تماماً. هل عرف زوجك شيئاً؟ هل يشك في أمرنا؟ لم أفهم شيئاً من كلامك عبر الهاتف.” ردت سوسن بصوت مرتجف: “اهدأ قليلاً، دعني أهدأ أنا أيضاً، فأعصابي محطمة. الخلاصة يامنير أننا يجب أن نبتعد عن بعضنا بأي شكل من الأشكال.” قال منير: “حاضر يا حبيبتي، ما تريدينه سيحدث، لكن دعينا نتناقش أولاً لأعرف على الأقل ما الذي حدث.” أوضحت سوسن: “حتى الآن لم يحدث شيء، غير أنني منذ أسبوع أحلم أن زوجي يدخل علينا هنا في المطعم، يجرني من شعري في الشارع، ثم فجأة يغرقني في بحر، وأنا أصرخ له: أنت السبب! أنت السبب! لست أدري ما المعنى وراء هذا.” حاول منير تهدئة الأمور: “حبيبتي، نحن نحب بعضنا البعض. لو كان الأمر مجرد شهوة غير الحب، لكنتِ قد خنت زوجك معي منذ زمن. حبيبتي، أنت حتى هذه اللحظة لا تريدين أن تأتي لرؤية شقتي، وأنا لم أطلب منك ذلك أبداً لأن الحب يكفينا. حتى لو رآنا هنا، سأقول إنني أخو زميلتك، وهذا عادي.” قاطعته سوسن بحزم: “كفى! لست قادرة على التحمل أكثر من ذلك. يجب أن أعود للبيت، وهذه آخر مرة نتقابل فيها يا حب عمري. أحبك يا منير.” عاد حاتم إلى منزله وجلس أمام صورة زفافه في الصالة، شارداً في التفكير بين الكابوس المتكرر وما يمكنه فعله لمساعدة زوجته. قاطعته سوسن قائلة: “ما زلت هنا يا حبيبي؟” رد حاتم: “نعم، بعد قليل سأنزل لأحجز لك موعداً عند طبيب نفسي.” ضحكت سوسن: “طبيب نفسي؟ هل تراني جننت؟” قال حاتم بحنان: “حبيبتي، يجب أن نعرف ما قصة هذا الكابوس.” ردت سوسن: “حبيبي، انتهى الأمر. إن شاء الله لن يعود مرة أخرى.” وبدأت سوسن في خلع ملابسها، فسقطت من جيبها ورقة – قائمة طعام المطعم الذي كانت تقابل فيه منير. ذهبت لإعداد الطعام، بينما ذهب عقل حاتم إلى التفكير في المطعم، وبدأ الشك يتسلل إلى نفسه. لكنه لم يسألها عن الورقة ولا عن المطعم. ذهب حاتم إلى المطعم وبدأ في مراقبته في أوقات مختلفة دون جدوى. في أحد الأيام، اتصل منير بسوسن يستحلفها أن تقابله ولو مرة واحدة فقط، فلم يعد قادراً على البعد عنها. حلف لها أنه يمكن أن يأتي بأخته ويزورهم في البيت ويتعرف على زوجها، كل ذلك من أجل رؤيتها فقط. خافت سوسن من جنون وتهور الشباب، فوعدته أن تقابله في المطعم لأنها هي أيضاً لم تعد قادرة على البعد عنه. رغم معرفتهم ببعض إلا أن علاقتهم كانت رومانسية فقط، ولم تحدث أي لقاءات حميمة ولم يفكروا فيها. حبها كان أكبر وحبه كان أقوى، والضعف كان مصيرهم. داخل المطعم التقت العيون المليئة بالشوق واللهفة. بدأت سوسن تبكي وتقول: “لم أعد قادرة على البعد عنك يا حبيبي، يجب أن أراك، الأمر ليس بيدي.” رد منير: “أنا أيضاً كنت أموت وأنت بعيدة عني. حبيبتي، لنعد كما كنا، نتقابل مرة واحدة كل أسبوع بنفس الحرص السابق.” قال منير: “أو أن تطلبي الطلاق، أو الخلع وأنا لا ينقصني شيء.” ردت سوسن: “ينقصك أهم شيء يا حبيبي. ينقصك أن تكمل جامعتك، وبعدها فعلاً لن ينقصك شيء. أما أن نتزوج وأنت في الجامعة فهذا غير معقول، لن يوافق أحد من أهلي.” قال منير: “خلاص يا حبيبتي، ابقي معه وأنا أعدك أن هذه السنة ستكون آخر سنة أرسب فيها، وسأنهي الجامعة، وحينها لن يكون هناك شيء يمنعنا.” ردت سوسن: “حاضر يا حبيبي، اصبر فقط لأجلك لكن من فضلك لا نتقابل كل أسبوع، أنا خائفة أن يكون هذا الكابوس إشارة من الله إليّ، وأنا خائفة جداً. .” وافق منير: “أوافق على كل أسبوعين يا حب عمري. أحبك.” ردت سوسن: “وأنا أيضاً أحبك، ولم أحب أحداً غيرك في حياتي يا حب العمر.” فجأة ظهر حاتم وجلس بينهما قائلاً ساخراً: “وأنا أيضاً أحبكم انتم الاثنين والله! ما هذه الرومانسية العالية؟” ثم تحول صوته إلى الجدية: “ما رأيك أيها البطل؟ أليس من المفروض أن تكون رجلاً وتتحمل مسؤولية أفعالك؟ أكيد كنت تحسب حسابك لو أنني أتيت عليكما، كيف ستتصرف؟ أم أنك ما زلت طفلاً عقلك لا يستوعب هذه المراحل؟ يكفيك أن تتنحنح وتنظر وتحب، هذا أكبر شيء يمكنك فعله.” ثم التفت إلى سوسن: “وأنت أيتها القطة، ما أخبار قلبك؟ الحب جميل طبعاً، لكن الشرف أجمل، وأنت لا تعرفين معنى كلمة شرف. كنت أفكر في ترككما حتى تجمعكما شقة وسرير وتصبح فضيحة حقيقية، لكن بصراحة لم أقدر على ذلك.” صرخت سوسن: “حاتم، أقسم بالله العظيم ليس هناك أي شيء مما تفكر فيه! نحن جالسان كما ترانا أمامك، وهذا أكبر شيء حدث بيننا، والله العظيم يا حاتم!” ضحك حاتم ساخراً: “وأنا المغفل الذي يمكن أن يصدق هذا الكلام؟” التمست سوسن: “حاتم أرجوك، أنا لست المرأة التي تخون زوجها أبداً.” رد حاتم بسخرية مريرة: “العفو، أنت أشرف من الشرف نفسه! وأنت يا ابني، ما صبّرني عليك إلا أنك طفل صغير ولست في مستوى ما يمكن أن يحدث معك، لكن صدقني لو رأيتك في أي مكان في الكون سأجعلك تتمنى الموت.” ثم أمر زوجته: “قومي أيتها الشريفة من غير فضائح، ودعيني أرى ماذا سأقول لأبيك مريض القلب الذي لاشك ان اخبرته سيموت .” عادت سوسن للمنزل وهي تعيش صراعاً نفسياً عنيفاً، بينما بدأ حاتم في صراع بين ان يتسبب في موت ابوها بالفضيحة أم يطلقها ويتخلص من خيانتها فقط أم يبدأ تنفيذ خطة انتقامه الصامت.. خاصة بعد ان حصل على تسجيل كاميرات المطعم . أصبحت سوسن محبوسة في بيتها كالطائر في قفص ذهبي. وضع حاتم عدة أقفال على الباب الرئيسي، ومنعها من الخروج نهائياً. كان يذهب لعمله ويعود، وهي محبوسة بين الجدران الأربعة. في البداية، حاولت سوسن الاحتجاج والمقاومة، لكن حاتم كان واضحاً في تهديده: “لو ذكرت شيئاً لأهلك عبر الهاتف، سأحكي لهم كل شيء عنك وعن حبيبك منير ويصبح ذنب اباك في رقبتك “ مع مرور الوقت، بدأت سوسن تتقبل العقاب. شعرت أنها تستحقه كتكفير عن ذنبها في حق زوجها. وهوفا على صحة ابيها . كانت تقضي أيامها في الأعمال المنزلية ومشاهدة التلفاز، راضية بحبسها كنوع من التطهر الذاتي. ذات يوم رن الهاتف. كان منير على الخط، صوته مملوء بالقلق والحنين: “سوسن، أين أنت؟ لم أرك منذ أسابيع، حاولت الاتصال مراراً. ما الذي يحدث؟” ترددت سوسن في البداية، ثم قررت أن تخبره الحقيقة: “منير، أنا محبوسة في البيت. زوجي بعد ان اكتشف أمرنا قرر معاقبتي بحبسي هنا “ صُدم منير: “محبوسة؟ كيف؟ هذا جنون! لا يمكن أن يفعل هذا بك!” شرحت له سوسن وضعها بالتفصيل، وكيف أنها راضية بالعقاب لأنها تشعر بالذنب. لكن صوت منير أعاد إشعال شوقها المكبوت. بدأت المكالمات تتكرر يومياً. كان منير يتصل بها في أوقات غياب حاتم، وكانت أصواتهما تزداد دفئاً ولهفة مع كل مكالمة، بدلاً من أن يبعدها عن منير، جعلها تتعلق به أكثر. في أحد الأيام، فاجأ منير سوسن باقتراح جريء: “سوسن، أريد أن أراك. سآتي إلى بيتك.” خافت سوسن: “لا يا منير، هذا خطير جداً. ماذا لو رآك أحد الجيران؟” لكن منير أصر: ” اعلم اني لن أدخل، سأقف أمام البيت فقط وأكلمك في الهاتف. أريد أن أراك ولو من الشارع فقط.وسارتدي ملابس عامل توصيل ولن يشكواحد اننا نتحادث . وافقت سوسن بعد تردد. وفعلاً، جاء منير ووقف أمام باب الشقة، وهما يتحدثان عبر الهاتف. كانت تراه من عدسة الباب تارة ومن الشارع تارة اخرى وقلبها يخفق بشدة. امتد اللقاء لساعة كاملة، وكان حديثهما يزداد حميمية ولهيباً. بدأت هذه اللقاءات تتكرر في أوقات غياب حاتم، وأصبحت سوسن تنتظرها بشوق كبير. في إحدى الليالي، ذهب حاتم للعمل في نوبة ليلية. اتصلت سوسن بمنير في منتصف الليل، صوتها مملوء بالشوق واللهفة: “منير، أشتاق إليك جداً. تعال الآن، أريد أن أراك.” جاء منير مسرعاً، وظلا يتحدثان كالعادة. لكن الشوق كان أقوى من المنطق هذه المرة. اقترح منير فكرة جنونية: “سوسن، يمكنني أن أدخل من شباك الحمام. إنه في الدور الثاني، لكنني أستطيع التسلق.” التمعت عينا سوسن بالخوف والإثارة معاً: “منير، احذر السقوط. إنه خطير جداً.” لم يكترث منير لتحذيراها: “افتحي الشباك يا حبيبتي، لن يحدث شيء.” وبالفعل، تسلق منير الجدار ودخل من شباك الحمام. للمرة الأولى منذ شهور، التقيا وجهاً لوجه، وكان اللقاء مشحوناً بالعواطف المكبوتة والشوق المؤجل. اتفق الاثنان على تكرار هذه الزيارات السرية. وفي إحدى الليالي، تحولت علاقتهما من حب عذري إلى علاقة جسدية كاملة. ذاقا حميمية مغمورة بحب عميق، تشتاق لها سوسن وتحول منير من عاشق إلى عشيق عبر الشباك. وذات لقاء وبعد ذروة النشوة، وهما يرقدان متعبين من عمق المشاعر والأحاسيس، تنهد منير قائلاً بصوت راضٍ: “لقد أحسن زوجك إلينا بحبسك هنا. لم نكن لنصل إلى عمق علاقتنا هذه لولاه.” توقف قلب سوسن للحظة. تاهت بعد سماع هذه الكلمات، ونظرت إلى منير ووجهها شاحب كالموت. همست بصوت مرتجف: “أنت يا منير . انت . انت يامنير صمتت لحظة، ثم أكملت وكأنها تكتشف حقيقة مرعبة:صكت وجهها وصرخت “أنت تفسير الحلم. أنت البحر الذي أغرقني فيه زوجي. تمت محمد m رزق

    الكاتب: محمد محمود رزق

    0المفضلة

    93 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من محمد محمود رزق

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • بحر وخطيئة