• ريم والكيك ج1

    تستيقظ ريم مع صرخة طفلها الأولى قبل الفجر بساعة. ترمق الساعة الرقمية بعينين نصف مُغمضتين: 4:37 صباحًا. نفس التوقيت تقريبًا كالأمس، وأول أمس، وكل يوم منذ خمسة أشهر. تتحرك بآلية مُتقنة: تحمل الصغير، تُهدهده، تُرْضِعه، تُغير حِفاضه. كل ذلك في ظلام الغرفة شبه التام حتى لا توقظ زوجها الذي يتنفس بانتظام على الجانب الآخر من السرير. حازم لا يستيقظ أبدًا لنوبات الصغير الليلية. "دوامه صباحي" - هذا ما يردده دائمًا. وهي تتفهم، أو هكذا تُقنع نفسها. عندما تعود ريم إلى السرير، تعرف أنها لن تنام مجددًا. تستلقي مستمعة لأنفاس طفلها المنتظمة في سريره الصغير، وتتأمل سقف الغرفة. تفكر في قائمة المهام التي تنتظرها: غسيل، طبخ، تنظيف، مواعيد تطعيم، تسوق... قائمة لا تنتهي من المسؤوليات المتكررة التي تدور في حلقة مُفرغة. كانت ريم قبل الزواج فتاة عادية، أجبرتها ظروف أسرتها المالية الصعبة على ترك الدراسة بعد الإعدادية. اكتفت بالقراءة والكتابة، وانخرطت في مساعدة والدتها في تربية إخوتها الصغار. مع كل أخت لها تتزوج، كان حلمها يكبر في أن تصبح زوجة وأمًا. كانت تحلم بزوج يحبها، وبيت دافئ، وأطفال يملؤونه بالحياة. لم تكن تتخيل أن الحلم قد يتحول إلى سجن يومي من الروتين المُتكرر. مع شروق الشمس، تبدأ ريم يومها الذي يُشبه سابقه: إفطار حازم السريع قبل ذهابه للعمل، تنظيف الصحون، الاهتمام بالطفل، الطبخ، الغسيل، ثم انتظار عودة حازم من العمل. العشاء، التلفاز، النوم. "كيف كان يومك؟" - السؤال اليومي الذي يطرحه حازم أثناء العشاء، بينما يُقلب بين قنوات التلفاز. "كالعادة" - تُجيب ريم دائمًا، لأن الحقيقة هي أن أيامها صارت نُسخًا مُتطابقة. في تلك الليلة، بينما كان حازم مُستغرقًا في مباراة كرة القدم، تحسست ريم هاتفها. فتحت صفحة الفيسبوك، تتصفح منشورات صديقاتها: صور رحلات، إنجازات مهنية، حفلات... حياة تبدو من عالم آخر. كان حازم في الأشهر الأولى من زواجهما مختلفًا. كان يسألها عن رأيها في الأفلام، يشتري لها الحلوى التي تحبها، يمسك يدها أثناء المشي. لكن مع الوقت والمسؤوليات، تحول إلى رجل يعيش بجانبها وليس معها. ذات يوم على شاشة الهاتف تتوقف عند إعلان عن شات بوت لم تفهم ماذا يعني. سألت حازم، فأجابها باقتضاب: "برنامج محادثة... يعني ماسنجر." تشعر ريم بشيء يتحرك في داخلها - فضول مُختلط بأمل خافت. قامت بتحميل التطبيق على أمل أن تجد فيه شيئًا مختلفًا، شيئًا يكسر رتابة أيامها. في تلك اللحظة البسيطة، وبينما ضوء الهاتف ينعكس على وجهها في غرفة المعيشة المظلمة، لم تكن ريم تعلم أن هذا البحث البسيط سيقودها إلى عالم جديد تمامًا. تفكر للحظة أن تكتب تعليقًا، لكنها تتراجع. ماذا ستقول؟ يتبع

    الكاتب: محمد محمود رزق

    0المفضلة

    27 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    قصة 

التعليقات (0)

المزيد من محمد محمود رزق

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • ريم والكيك ج1