• البطولة في عين الإنسان

    يعيش الإنسانُ فترةً من الزمان بعد خروجه إلى الدنيا مراقبًا للأشياء والأشخاص من حوله، شاهدًا على الحياة حياله، مشاركًا فيها بالتلقي أكثر من الإصدار، وبالأخذ أكثر من العطاء، وبالتعلم أكثر من الإضافة.. في تلك الفترة يتعرف الإنسان على بطل حياته؛ ذاك الرجل المتناهي العظمة، صاحب القوة المطلقة والحكمة البالغة والمعرفة الكاملة، ذاك الرجل الذي ينظر إليه الإنسان طفلًا وبريق عينيه يلمع من روعة ما يسمع ويرى حتى تكاد تحسب عينيه قناديل تضيء طريقه.. كلنا قابلنا هذا البطل، قد يكون معلم المدرسة أو مدرب السباحة أو الجار أو العم أو الخال أو الجد أو الأخ.. لكنه في الأسر السوية عادةً ما يكون الأب! ما أسعد تلك اللحظات التي تأتي فيها إلى بطلك حيرانًا قلقًا، خائفًا مهمومًا، فإذا به يحيل المالح عذبًا ويجعل الخوف أمنًا ويزيل الهموم همًا همًا، ثم يقص عليك من الأنباء والأحداث ما لا علم لك به، حتى يتسع صدرك ويمتلئ قلبك بالطمأنينة والراحة، وتعلو وجهك ابتسامة تحمل الكثير من المعاني والأسرار، فتغادره وأمنك أمنان: أمن الحاضر وأمن المستقبل؛ أما الحاضر فحل مشكلتك وزوال قلقك، وأما المستقبل فعلمك أن هناك من مشى الطريق قبلك وحارب السباع دونك، وهو الآن يمشي معك ويحارب عنك! ومع مضي الأيام يشتد عودك ويقدح ذهنك وينضج عقلك وتكتسب خبرة الحياة شيئًا فشيئًا، ولربما تكون بطلًا أو مشروعَ بطلٍ في رواية أحدهم.. وفي يومٍ تأمن فيه الحذر، تتلقى أول صفعة من الحياة، حين تواجه بصورة الكمال المطلق التي خلقتها في ذهنك عن بطلك واقع وحقيقة الأمر، حين تدرك ضعفه في بعض الجوانب، وجهله ببعض الأمور، وسوء تصرفه في بعض المواقف.. وتتساءل متى أصبح بطلي هكذا؟! فتراجع الماضي بعقل الحاضر لتدرك أن بطلك لم يتغير .. إنه هو منذ اللحظة التي لمعت فيها عيناك! .. لكنك أنت من تغير! تدرك هذا شيئًا فشيئًا، أنك أصبحت أقوى من بطلك! أرجح منه عقلًا، أعلى منه صوتًا، تدرك ما لا يدركه، ترى الأمور من حيث لا يراها هو.. إنه وهج الشباب وعنفوانه! يدفع بالفتى نحو الهاوية.. نحو الكبرياء والغرور، وهل يودي بالمرء غيرهما؟! في هذا اليوم يصرخ الفتى في نفسه صرختين في آنٍ واحد: صرخة الألم لفقدان بطله، وصرخة النشوة؛ أنه صار اليوم بطلًا! لا يرى أمامه من بطلٍ، ولا يعلم من شيءٍ يجهله..! فيعيش الإنسان فترةً أخرى من الزمان فاعلًا في الحياة غير مفعول به، مشاركًا فيها بالإصدار أكثر من التلقي، وبالعطاء أكثر من الأخذ، وبالإضافة أكثر من التعلم، وبالكلام أكثر من الصمت.. ها هو يريد أن يغير العالم، ويصحح الأفهام، ويضع الأمور في نصابها.. لكنه لا يعي كونه نبتة خضراء لها جذور قد اعتنى بها بطله من قبل حتى ارتفعت سيقانها، لكنها لينة كالأملود تتلاعب بها الريح كيف شاءت.. وأي ريح قد لا تشاء!! ومن ثم يبدأ العراك مع الحياة، ما لم ولن يعلمه إياه بطله بالرفق واللين والاحتواء، ستعلمه له الحياة رغمًا عن أنفه وبالطريقة الصعبة كما يُقال! مرةً بعد مرة يعود الإنسان إلى رشده، ويكبح جماح رأسه وجسده، وتهدأ نفسه.. ليعلم أن الحصاد لا يأتي دون زراعة وعناية، وأن بطله كان بطلًا حقيقيًا رغم نقصه وضعفه وجهله، وإلا ما استطاع في بضع سنوات أن يوجِدَ له ندًا يرى تفوقه عليه وأحقيته بالبطولة منه.. بل بالبطولة المطلقة ممن سواه! والناس في هذا مختلفو الوجهة والطريقة، فهناك من يستغرق في كبريائه حتى يتوه فلا يعود أبدًا، وهناك من يتدارك الحقائق سريعًا ليصحح وجهته ويبدأ رحلة جديدة في فهم الحياة.. وهؤلاء أيضًا متباينون بينهم فمنهم من ينتكس ليعيش في جلباب بطله فتكون وجهته أن يعيش في ظلال البطولة التي صنعها بطله محدّثًا عنها متفاخرًا بها إلى أن يلقى حتفه، ومنهم من يشق طريقه هو نحو البطولة؛ التي أدرك أنها تحتاج إلى جهدٍ وعناء وأخذٍ ثم عطاء! أما هذا فيصل إلى غايته التي يصبو إليها، لأن البطولة تكون في النية قبل الفعل، وفي الوجهة قبل الوصول، فالموت على طريق البطولة بطولة.. والبطل الحقيقي لا يشعر بالفخر بقدر ما يشعر بالمسئولية؛ لأنه يعلم أن البطولة تكليف لا تشريف، وأن المجد بالعطاء لا بالمفاخرة؛ فليس الفتى من يقول كان أبي .. ولكن الفتيّ من يقول ها أنا ذا! - أكتوبر ٢٠٢٤

    الكاتب: إسلام البهنساوي

    0المفضلة

    25 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    البطولة 

التعليقات (0)

المزيد من إسلام البهنساوي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • البطولة في عين الإنسان