زمن الحمير
Jul 16, 2025 05:40 AM Jul 16, 2025 05:40 AM
زمن الحمير الفجر يبزغ من خلف الضباب ، كعادته كل يوم ، ليبدأ يوم جديد تحمل ساعاته العديد من الأحداث ، منها ما يمر مرور الكرام ومنها ما تبقى آثاره ليوم قادم أو يومين أو حتى سنوات أخرى قادمة ،لا يزيد اليوم عن كونه أربعة وعشرون ساعة ، لكن مع الفرح قد يمضى فى لحظات تفر من بين أيدينا ، ومع الحزن والهم والشقاء قد يتضاعف الشعور بثوانيها ولحظاتها حتى نشعر كأنها الجبل الرابض فوق أكتافنا ولا نستطيع منه فكاكا ،الديكة تؤذن للفجر الجديد وهو جاثٍ على أقدامه ، فى انتظار يوم طويل ، يُعانى فيه من حمل أثقال أولئك البشر ، يحملها من مكان إلى آخر ، هُناك فُروق بينه وبين من يملكونه من البشر أولها.. أنه يمضى فى الطرقات على أقدام أربع لذا فرأسه دائمًا إلى الأرض تميل ، وعيناه على جانبى وجهه مما يفرض عليه نوع من الرؤيا الغير كاملة ، ولسانه لا ينطق إلا بنهيق تشمئز منه النفوس ، وهناك أيضًا ما يميزه عنهم ، فهو دائمًا يحمل أمتعتهم وأحمالهم الثقيلة التى تكل أقدامهم وأذرعهم عن حملها ، وأثقالهم إلى بلاد ما كانوا بالغيها إلا بشق الأنفس ، ولكن حمارنا هذا يكره الآدميين لأنهم ناكرى الجميل ، فكم من مرة وهو يعانى الألم والنَصب تسقط فوق جسده المنهك سياط العذاب ، أهذا هو الجزاء أيها البشر ؟ يذكر حينما ولد " جحشًا " صغيرًا مُقبل على الحياة ، يرسم الآمال والأحلام لنفسه تواقًا للظفر بما أراد ، كم حلم أن يكون كبيرًا فيحمل الهم عن أبيه وأمه اللذين أهلكهما العمل لدى ذاك الرجل الشرير الذى يقطنون " زريبته " أى حكمة تلك التى تجعل منهم عبيدًا للبشر مقابل لقيمات تافهة من أعواد البرسيم ، أو بعض من " التبن " الذى هو خلاصة أعواد القمح أو الفول الصويا والتى تقطع الأمعاء ولا تسد الجوع إلا للحظات ، غيرهم من الأنعام مرفه الحال يأكل ما لذ وطاب ويحظى برعاية من نوع خاص ، حينما كان صغيرا تولته يد الحنان والهدهدة ، وبعدما مرت الأيام أصبح فى كد من العيش وتزركش جلده السميك بالأدواء جراء عمله الشاق طيلة اليوم ، ينتظر لحظة حنو من البشر الأشقياء ولكن بلا فائدة فهم أبعد القلوب عن الشعور به وذويه ، كم أنت تعيس أيها الإنسان لا تعلم أن ما بين يديك لن يدوم لك ، وسوف تتركه لغيرك من أبناء وأحفاد ، تثقل كاهلك بالأمال والأحلام والطمع فيما بيديه ويدى غيره وفى النهاية لا ينال منها غير حفرة تحوى عظامه الهالكات ، مشفقون عليه من مصائره ولا يشفق عليهم- أولئك الحمير- فى معاملاته ، تدبر الحمار ما وصل إليه حاله وحال عشيرته وأقربائه وقرر الاجتماع بهم للبت فى أمور معيشتهم التى صارت فى تردى واضح ، وكان الاجتماع الأول لرابطة الحمير والذى عَرض فيه الجميع مشكلاتهم ، منهم من أرجأ ما هم فيه إلى خلل فى نفس كل منا فلو أصلح كل حمار ما بنفسه لصَفَتِ الحياةُ ورحلَ الكدر ، ومنهم من أرجأ ما هم فيه إلى عدم التوحد على ذيل حمار واحد ، فالفرقة داء عضال يجعل السوس ينخر فى جذوعهم فردًا فردًا حتى يتساقطون كأوراق الخريف الجافة ، ومنهم من رأى أن المعاملة لابد وأن تكون بالمثل فلا خير فينا ما دمنا ضعافًا ، فالحمار القوى لا شك يهابه الجميع ولماذا لا نرد على تعذيبهم بعضة تودى بحياتهم ، وكان التعقيب منهم بالنهيق المفعم بالرفس والقهقهة ، شعر حمارنا بأن الاجتماع غير موفق لا سيما وأن بعض الحاضرون خلدوا للنوم ، وبعضهم من الذكور أخذ فى مغازلة إناثهم ، وكأن القضية لا تعنيهم همَّ برفع الجلسة لولا أن هناك حمار فى طرف الزريبة نوه إلى شيئ خطير ، أن البشر قد تفاقم لديهم الانتقام منا والنيل من أجسادنا حتى أنهم صاروا يذبحوننا ليأكلوا لحومنا أتلك هى نهاية المطاف ؟ ما خُلقنا لنؤكل ، بل قال الله فينا " والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة " لم يقل لتأكلوها .. يبدو أن البشر قد انتكسوا عن الطريق الصحيح وبدأوا في حالات من الجنون والهرتلة ، ولا أتصور نفسي بين عشية وضحاها تغلي أشلائي في قدر أو يُطحن لحمي بخبز الحواوشي أو على السفود في شكل أصابع يسمونها " الكفتة " . نظر كل حمار إلى أخيه والخوف يعربد فى جنباتهم وترتعد الفرائص من هول ما سمعوا ، فأشارت أتان عجوز إلى ضرورة وضع توصيات شديدة اللهجة تُحافظ على حقوقنا نحن الحمير وإلزام البشر بتنفيذها ، حين رفعها لهم للنظر بها . ولاقت الفكرة قبولًا لدى الجميع إذ أنه لابد لكل اجتماع من توصيات ، واجتمعت لجنة لصياغة التوصيات وجاءت بكل عبارات الشجب والاستنكار والحث من البشر والطلب إليهم بضرورة العناية بالحمير ثم تم طباعة التوصيات وتوزيعها على المجتمعين ولكن إلى أين ولمن ترفع ؟ لم يجدوا إجابة لذلك.. وبينما هم كذلك إذ افتقد الفلاحين وأصحاب الدور فى القرية حميرهم وإلتمسوها ها هنا وها هناك وأخيرًا وجدوهم فى اجتماعهم، فأشهروا العصى فى وجوههم فولى كل حمار تجاه داره أو حقله وتطايرت الأوراق التى حملت كثيرًا من حقوق الحمير الضائعة لدى البشر وعاد كلٌ لعمله بلا حراك ولا تمرد فقد علموا أنهم مهما تشدقوا بالكلمات المحفزة لا يزيدون عن كونهم حمير .


الكاتب: ربيع سيد
0المفضلة
22 المشاهدات
0 تعليقات