• ولدي الحبيب … لن أعتذر إليك

    إنني أعلم أنك غاضبٌ مني جدا، وربما تراودك رِيَبٌ في حبي لك وخوفي عليك، وهذا أمرٌ طبيعيٌ؛ لأنني لا أنْفَكُّ أنهاك عن هذا وأبعدك عن ذاك، وأنت لحداثة سنك تحب هذا وتريد ذاك؛ اتباعاً لهواك، وجهلا بما ينطوي عليه الهوى من مخاطر ومفاسد قد تودي بك وتعصف بمستقبلك وتوردك الهلاك. وما كان لوالدٍ أن يترك ولده وهواه إلا أن يكون جاهلا أو خاملا ولست أنا أيهما. وإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء لها فإن تحسب تقييدي لرغباتك إساءة تستوجب بغضي وتتمنى بها الحرية بعيدا عني فرجائي وعزائي أن ترشُد يوما وتنجو من مصائد الهوى؛ فتعلمَ كم كنت أحبك، وكم كابدت في سبيل حبك وجع معاندتك، ومسحة الحزن التي تعتريك، وضيقك بما أحيطك به من أمن وأحرسك به من شطط وشر. هنالك تعلم وقد نجوت -إن شاء الله تعالى-أنني كنت أحاول الزود عنك والحفاظ عليك، وأجود لك بالسكينة والطمأنينة وأسباب البر والصلة حتى تصل إلى بر الأمان. يوما ما يا ولدي ستصبح أبا مثلي وتحيط أبناءك برعايتك فتدفع عنهم كل ما يسوؤك فيهم وتخشاه عليهم، وسيتمردون _كعادة المرد من الأبناء _ على ما تقوله وتفعله،كما تفعل أنت الآن، وستتذكر أن أباك كان يكابد العناد واللجاج من أجلك؛ شفقة عليك ورحمة بك، ولعلك عندئذٍ يا بني تغفر لي قسوتي عليك وتجدها رحمة وحنانا. لهذا يا ولدي أنا لا أعتذر إليك؛ فأنا لا أطيق أن أتركك سدىً، ولا أن أراك نهبا للأهواء وشياطين الإنس والجن. ولا ينبغي لوالد أن يعتذر لولده مهما فعل ما دام يصدر عن أبوة حقة وفطرة سليمة؛ وإلا فهو إنسان مريض فاسد الفطرة وليس على المريض حرج. ولا أكتب لك هذا معذرة إليك؛ بل حنوا وشفقةً عليك أن تتلظى بإحساس كاذب بالظلم والقهر والعدوان. وذلك ما قد تسول لك نفسك أو يوسوس به إليك قرينك فلا تستمع لهما واركن إلى فطرتك السليمة ونفسك الرقيقة وقل هذا أبي يريد صلاحي وفلاحي ولو ضل السبيل. أكتب لك هذا يا ولدي وأن بين يديك، أجود لك بنفسي وأفديك بروحي، ولعلك تقرأ كلامي هذا وقد حيل بيننا وأصبحتُ أنا نسياً منسياً وأنت أبٌ في سني هذا وحالي تلك فتترقرق الدموع في عينيك، ساعتئذٍ تذكر دعائي لك بالصلاح والنجاح وأن يجعل الله لك من أمرك يسرا وامسح دموعك واذكرني بدعاء من قلب صادق وإحساسٍ نبيل أستودعك الله "فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين".

    الكاتب: خالد مطير

    0المفضلة

    34 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    أب ابن غاضب اعتذار خوفا 

التعليقات (0)

المزيد من خالد مطير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • ولدي الحبيب … لن أعتذر إليك