أنت وحدك
Aug 5, 2025 12:29 PM Aug 5, 2025 12:29 PM
أنت وحدك في مكانٍ ما، آمنٌ إلّا مِنْ مخاوفك، دافئٌ من حولك، باردٌ بين ضلوعك، ترتجف نبضاتُك، مليءٌ بالضجيج... تَملؤك كثيرٌ من الهموم والمشاغل المتشعبة في حلقاتٍ دائريةٍ متصلةٍ، تشبه المتاهة. لا تستطيع الخروجَ منه، ولا تدرك له متعةً أو انخراطًا أو انجذابًا إليه. عالقٌ بين حدوده، لا أنتَ فارقتَه، ولا هو يتركك. تصارعُ ما بين هذا وذاك. اعتدتَ على أحداث يومِك بعد يومٍ. أصدقاءُ من حولك، مللتَ حديثَهم التافهَ دون جدوى، وتواجدَهم الذي يشبه فقدانَهم. كلُّ نصائحهم لا تلقى منك إلا الرفضَ والنسيانَ، فمن وجهة نظرك المقتضبة: هم لا يشعرون بك، ولا يحملون همَّك، ولا يعلمون ما يجول بخيالك، ولا ما يحطُّ برأسك. وأسرتُك التي تنعم بها، تشعرك بالإحباط دوماً. لا تقبل حديثَهم الناصحَ لك يوماً بعد يومٍ، وتنفر من الجلوس معهم كمن ينفر من شمس الظهيرة في فصل الصيف. تتكرر النصائحُ مرةً بعد مرةٍ، ولا يصل صداها إلى مسامعك؛ لا تخترقُ مسامَّ أذنك الصمّاءَ أيَّ حديثٍ إلا أحاديثَ عقلك المُصمتة. وكأنك أغلقتَ على نفسك أبوابَ الحياة، وقررتَ الانعزالَ لا الانخراطَ. اعتدتَ الصمتَ من أثر الضجيج... تلوح عيناك في الأفق ليلاً، تتفقد أحوالَ النجوم في سماوات الليل، كأنك تنتظر جماعةً من الأصدقاء، أحببتَ حديثَهم الصامت، وآذانَهم الصافية لك دوماً دون نقاش. لا يجادلونك في الأمر، ولا يلقون عليك النصائحَ والتوجيهات، فأنت دليلُ روحك إلى الخلاص الذي تسعى إليه، وتظنُّ أنه قد اقترب موعدُه. يزعجك الجلوسُ في أماكن عامة... حديثُ العامة يُؤرِّق صفوَ خيالك، الأصواتُ العاليةُ تشتت انتباهك وهدوءَك، تعيدك إلى ما تكره. فماذا لو... اختفى كلُّ شيءٍ مع بزوغ الفجر التالي؟ وانفضَّ الناسُ من حولك، وعمَّ الصمتُ أركانَ المكان، وتهادَت الأصواتُ فلا تسمع إلا صمتاً! لم يعد في المكان إلا أنت وحدك، والأرجاءُ خاليةٌ إلا من ضجيج روحك المتشعب. تسكنُ وحدك، لم تعد هناك أسرتُك التي تُملي عليك النصائحَ، غاب الأصدقاءُ، ولم تبقَ لك إلا نجومُ الليل اللامعة. فماذا لو أصبحتَ وحدك في هذا الكون الفسيح؟ أنتَ الكونُ، وأنت محيطُك، وأنت مجتمعُك! أتدرك كيف تصير الأمور حينها؟ دعني أخبرك شيئاً: حياتك العادية تلك التي مللتها، هي الصورةُ الوحيدةُ الجيدةُ التي حددتها أفعالُك وأفكارُك وعزوفُك عمن حولك. تستطيع أن تبدلها إلى صورةٍ أحسنَ جمالاً... لكن الحياةَ يا صديقي لا تحمل دوماً الراحةَ ولا الهدوء، ولن يبقى الحالُ دوماً هكذا. تتبدل الأحوال كما يتبدل الليلُ والنهار، وكما يتبادل الشمسَ والقمرَ الدورانُ. لكن ما تتمناه لروحك ونفسك من هدوءٍ يشمل كلَّ شيء، حتى يصبح بديلُه الفراغُ من حولك... فسيسكنك اليأسُ والقنوطُ والوحدة، وحينها لن تجد من يمدُّ لك يدَ العون لتنهض من جديد. إن ما تطلبه يا صديقي هو الرحيلُ عن عالم الدنيا إلى عالم الراحة! وقبل أن أنتهي، أردتك أن تعلم جيداً وتتأمل: حياتك العادية... مليئةٌ بالنعم، ولكنك لا ترضى. سرُّ السعادة يا صديقي في الرضا، وفي الوحدة تموت الروحُ دون رفيقٍ. شارك من حولك، ولا تغلق أبوابَ الحياة أمام وجهك. فلتبصرِ النورَ حتى ترى، ولتخرج من ظلام الوحدة إلى نور الأصدقاء. #كرم_محمد_حربي #أنت_وحدك


الكاتب: كرم محمد حربي
0المفضلة
40 المشاهدات
0 تعليقات