• لائقٌ للمشرط أن يكون غِمده عنق الذكريات

    كيف لي أن أنسى ذكرى طوّقتُها بالحب، وشّحتُها بالوِدّ، أوسدتُها أضلُعي، حتى بدَت مسكينة في زاوية، تكوّرت على ذاتها فارتَدّت للداخل وابتلعت نفسها، المشهد، الذكرى وقلبي. كيف لي أن أنسى تورّمٌ انتفخ أمام عيني، شهِدته يتمدّد ببُطئ سنينًا حتى ابتلع المشهد، لَمَّ أطرافه بشراهة لعق أصابعه ونَهَض وتركني... تركني مع بقاياه فعن يميني نصًا مبتورًا لمشهد فسحة المدرسة، وبينَ ركبتيّ صفحة لا زال لها صدى ضحكات آخر إختبار، ودفءٌ ناعِم نامَ داخليَ حتى بات هذا الدفء نارًا أئِنّ منه وعليه، وعند أخمص قدمي تستلقي ورقةً تحمل إذاعة، كنتُ وكالعادة أُخرِجُ وجهها للنور بينما وجهي يطويه هواء البرد الذي يوزع على وجهي قُبلًا لم أطلبها كالسياط. (يؤلمني أنني كنتُ أضجر آنها، يؤلمني ويؤذيني.) والآن كم أشتاق لذلك اللفح، و الهواء البارد ذاكَ الذي يطرُق وجهي كل صباح. منذ كان عمرُ الذكرى زَهر، حتى أصبح عمرها كَهَر ، منذُ كانت تداويني حتى أصبحتُ أُداويها وأئن تحت جرحها والمِبضعُ في يدي. ذلك المِبضع (المِشرط) الذي كنتُ أداوي به جروح ذكرياتي على مسرح الألم، يشاركني الرحمة عليّ، فأحيانًا يبكي عليّ معي، حتى أنني أشتهي أن أغمِدَ المشرط في عنق الذكرى، وأُسكِب الفودكا على الجرح، وأبثق الملح على الألم، فأسمع صوت الأنين لآخر مرة، وأمحو وجعًا عمرهُ عمري. فيتحوّل مسرح الألم إلى مشرحة الموت، تموت فوقها ذكرياتي. أمامي الآن المشهد... لائقٌ للمشرط أن يكون غِمده عنق الذكريات، ليضمحل الصخب ويذهب الألم بلا رجعة، فيُغلق الفصلُ الأخير . وأخرج هذه المرة من لقاءٍ بوداعٍ بلا عودة، والمشرط ينبضُ بيدي يرنو للحظة الانفصال، ويُحررني من أسر الخيال. ومن صمتٍ مشحونٍ بالصُراخ، يحسم أمره رحمة خانته مرةً، كانت في صفِّه كُل مَرّة، حتى تلك اللحظة، لتختار صفِّي مرةً بفاتورة ثمنها موتها. فتُمسي الذكرى بهوادة، ويُمسي الحاضر بلا التفاتة، وغدٍ بلا ولادة. داليا. ٣٠ آب.

    الكاتب: صبر

    0المفضلة

    30 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من صبر

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • لائقٌ للمشرط أن يكون غِمده عنق الذكريات

    المزيد من صبر

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة