أسرار الحمقى مكشوفة
Aug 16, 2025 03:56 PM Aug 16, 2025 03:56 PM
هناك فارقٌ واسعٌ بين أن يكونَ الإنسانُ بطبعِه متحفِّظًا كتومًا لأسرارِه، وبين أن يكونَ أحمقًا وقِحًا. فالأوَّلُ يتصرَّفُ على سجيَّتِه، إذ لا تُعنيه حياةُ غيرِه، سرُّها وعلانيتُها؛ فهو منطوٍ على نفسِه، منغلقٌ على دنياه، لا يُخالطُ الآخرينَ إلَّا بقدرِ الحاجةِ وفي أضيقِ الحدود، فهو لا يُريدُ أن يعرفَ عن الآخرينَ أكثرَ ممَّا يُريدونَ هم أن يعرفوا عنه. أمَّا الثاني، فإنَّه كثيرًا ما يلبس ثياب الأول؛ يتظاهَر بالتحفّظ ويتصَنَّع اللامبالاة، كأنَّ شُؤونَ غيره لا تُعنيه في شيء، بينما هو في داخله مأخوذٌ بها، متابعٌ لها من وراء الحُجُبِ والأجفان. لكنه بمرورِ الزمنِ قد ألِفَ مدَّ عينيهِ إلى ما قبضَت عليه يدُ غيرِه، واعتادَ التلصُّصَ على حياةِ الآخرينَ والانشغالَ بأمورِهم خُفيةً، حتّى غلَبَ على ظنِّه أنَّ الجميعَ يُراقبونَ حياتَه، فلم يزل يتلفَّتُ وهو يقضي حوائجَه؛ ليطمئنَّ من انصرافِ أعينِ الناسِ عنه، غيرَ أنَّه — من غلَبَة طبعِه في الاهتمامِ بشؤونِ غيرِه — ربما غفَلَ عن الاهتمامِ بحفظِ شؤونِه هو، فإذا به مفضوحٌ يحرسُ أسرارًا مكشوفةً وخبايا باديَةً، فيبدو للبعيدِ أحمقًا لئيمًا، وفي عينِ القريبِ ساذجًا وقِحًا. إنَّ مثلَ هذا لا يُؤتمنُ على سرٍّ ولا على جَهرٍ؛ ليس لأنَّه سيشيعُ الأخبارَ على مسامعِ الخَيرِ والشَّر، بل لأنَّه هو الشَّر. - أغسطس ٢٠٢٥


الكاتب: إسلام البهنساوي
0المفضلة
27 المشاهدات
0 تعليقات