• ويبقىٰ الأثر

    أصلها ثابت وفرعها فى السماء أن ترسم لنفسكَ طريقًا محددًا، تسير بين حدوده دون انحراف رغم العسرات المتتالية والعقبات الوعرة المتعاقبة عليك فيه، ممسكًا بحبل من اليقين والثقة بأن الله هو المعين لك على المُضيِ قُدمًا نحو غايةٍ تسعى لتحقيقها، دون سقوطٍ وانحراف، دون تثبيط للعزيمة والهمة، تصرُّ على الوصول نحو هدفك وهو تركُ أثرٍ طيبٍ من خلفك وقدوةٌ صالحةٌ لمن يأتِ بعدك، هنا يكون الكفاح فى أسمى معانيه وافضل سبله وأبهى حُلة. _كرم محمد حربي أجلس وحيدا بإحدى المنتزهات العامة، أقلب بين صفحات هاتفي، اتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، دون الوقوف على أمرٍ هام، دون بلوغ منفعة، ودون أدنى نفعٍ يعودُ عليَّ أحدٍ غيري،مايعودُ منها سوى ضياع الوقت وتشتيتُ الهمة. بل إنني لم يكن فى عقلي ولا تفكيري ولا خاطر نفسي ونيتي، أن أُقبلَ في يوم من الأيام على ترك أثرٍ نافعٍ بحقٍ من بعدي، ماكان القصد من المتابعة ومواصلة التصفح في هذه المواقع إلا محض تسليةٍ وإضاعة لوقت فراغٍ نملكه فينقضي سريعا ثم يضيعُ دون فائدة، لم أكن اعلم قدر أهمية الوقت أبدًا. أقرأ بضع أحرف لشخصٍ يمزح مزحة بلهاء، واخر يبكي حال نفسه إذا ضاقت عليه مشاعره فتضيق به الدنيا صراخا ونحيبا، وأخرى تندب حال حظها العسر، وأخر ينشر مشاعره الزائفة على حبال الغسيل على مرأى الناس ومسمعهم وكأنه يرمي شباكه ليسترأف قلوب فئة معينة من العابرين عليها والمؤلفة قلوبهم لمثل هذا. حالةٌ فارغةٌ من أدنى مسؤلية او إهتمام بشأن ما يشغل رأي الناس عامة أو يهتم له فئة من الناس خاصه رفاق العمر ممن هم فى نفس مرحلتي العمرية. كل ما يهمنا فى تلك الفترة المتضاربة من العمر، هي المشاعر المتوهجة لهيبا والمنطفئة سريعا من شدة وهجها كالبرق الخاطف او كشهابٍ يظهر متوهجا فى جو السماء ليلا ثم يختفي. اغلقت هاتفي ثم مضيت مترجلا اسير هائما على وجهي دون وجهة معينة أصل إليها، أتابع ضياع وقتي دون قصد فيما لا يعرف ولا يُحمد. ثم كانت البداية، إشعارٌ... الهاتف يصدرُ صوتا معلنا وصول رسالة على تطبيق الواتساب من صديق، اعلم أنها من صديقٍ مقربٌ إليَّ، فتلك النغمة المخصصة قد وضعتها لمجموعة الأصدقاء خاصة المقربين. امسكت الهاتف وما ان الغيت قفل الشاشة، وسحبت باصبعي نحو الإشعار حتي كانت الفزعة والصدمه. توفي صديقنا حامد منذ ساعتين تقريبا، والجنازة غدًا بعد صلاة الظهر وانا لله وانا اليه راجعون. اهتزت أركاني وارتعدت أطرافي واغرورقت عيناي دمعا، وانتفضت مشاعري اضطرابا وخوفا. كيف للموت أن يأتِ هكذا دون سابق إنذار دون ميعادٍ مسبق؟ وكيف له الموت وهو شابٌ صغيرٌ لم يكمل الخامسة والعشرين من عمره، وكيف يأتيه الموت وهو السليم المعافي من الأسقام؟ ألم يكن الموت للكبارِ من الشيوخ والكهَّال! ‏ألم يكن الموت مقيدًا بأسباب المرض! ‏أليس الموت واقعا بعد كل حادثة ونكبه! ‏لكن صديقي شابٌ صغير، سليم معافى، لم يصيبه نكبة أو حادثة، ولم تأتية عارضةمن عوارض الموت، أهكذا يأتيه الموت فجأة. ‏يسقط فيموت، أو يضحك فيموت، أو ينام فلا يستيقظ، أو يشهق فتخرج روحه أو يجلس فلا يقوم. ‏أيقنت حال الموت. ‏-فالموت يأتي بغتةـ الموت هادم ـ ومفرق الجماعات. ‏تدمع عيناي لسببٍ ما، أهو الخوف؟ ‏أم لفراق صديق، أهو الحبُ، أم الفزعُ من الموت؟ ‏كيف سأحمل جسد حبيبٍ الى مثواه فى التراب، وكيف لا نلتقي بعد الحين أبدا، وكيف لا نتحدث مرة أخرى وقد كان حديثنا منذ ساعات قليلة. ‏كيف يرحلُ هكذا دون وداع، دون استئذان، دون ان يخبرنا بوجهتة؟ ‏وهل نجتمع بعد الموت معا؟ ‏ من القادم بعده، هل أنا؟ ‏فما الجواب؟ - ‏ الموت يأتي بغتة-الموت هادم اللذات، ومفرق الجماعات. ‏لم أفق من شرود عقلي إلا حينما أحسست بيدٍ تشدني من ردائي، تسحبني بسرعة الى الخلف حتى كدت أن أسقط ارضا لعدم توازني وانتباهي. - حسبُك يا بني، ماذا أصابك هل يسيرُ الناس دون انتباه على أنفسهم هكذا، كادت السيارة أن تصدمك، ألم تسمع صوت الإنذار؟ -كانت غاصبة مني، خائفةٌ علي، هذا ما أحسسته حين نظرت الي وجهها الشاحب من صدمتها، إمرأةٍ على مشارف الخمسين من عمرها او اكثر ، بدت على وجهها تجاعيد الزمان فى خطين ممدودين أسفل جفنيها، وكأنهما الليل والنهار. -‏ربتت على يداي تاركة اياهما، ولم تمض حتى تركت لي نصيحتها «ارفق بحالك يا بني فالحياة لا تستحق المعاناة ولا تمضي بالدموع مع الدموع والأحزان، الدنيا لا تقف على أحد» -‏« السعي يابني ثم السعي، لا تضيع وقتك هباء اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، يا بني إن الرضا هو السبيل الى خلاصك وراحة نفسك وطمأنينتها، فلا تقنط ولا تجزع والزم ابواب الرضا ترضى». - هززت رأسي ممتنا لنصيحتها وشاكرا إياها على تنبيهي ومساعدتي، ثم مضي كل منا فى طريقه. - ‏تابعت السير الى المنزل، تابعت السير حتى دلفت من باب العمارة ثم صعدت الدرج حتى بلغت باب الشقة، وحين طرقت الباب، فتحت لي والدتي، وما ان ولجت قدمي الى داخل دارنا انهمكتُ فى البكاء والنحيب وارتميت بين أحضان أمي فتلقفتني بين ذراعيها كما كنت طفلا، وأجلستني جوارها وراحت تربت على ظهري، وتمسح الدمع من خدي، وتهدأ روعي وخوفي، تحاول ان تفهم سبب الدموع المنسكبة والنحيب المتواصل، ومضت الدقائق على هذا الحال وكأنها السنون العجاف، حتى هدأ روعي وهدأت وتيرة قلبي، وخف عنه بعض احماله واثقاله. - ‏ماذا بك يا بني ما الذي يبكيك هكذا، ماسر هذا الدمع من عينك هكذا - ‏وحين اخبرتها بموت حامد وضعت وجهها بين خديها وراحت تبكيه وتشجب دمعا ونحيبا، انا لله وانا اليه راجعون. - ‏وسال الدمع منا كما تفيض مياة الأنهار جريانا، وكما تجري رياح الشتاء بامطارها. تابعتُ مع صديقي خالد على الهاتف ورتبت معه ومع بقية الاصدقاء ذهابنا باكرا الى بيت حامد لمؤازرة اهله وحضور صلاة الجنازة والدفن. ثم دلفت الي غرفتي، اسقطت جسدي فوق السرير ليرتاح من عناء الصدمة ووقعها،لعلي ارتاح ولو قليلا حينما يغلبني النعاس وانام. ولكن لليل طريقتة فى إختلاس النوم منك، والتسلل بظلامه الى داخل روحك. كانت تلك الليلة من أطول الليالي وأحلكها ظلاما علي، تتناوب التساؤلات على عقلي تناوب التائهين على نجم الفلا ليلا. ما افزعها من ليلة تجيء بأثقال الدنيا مجمعة على قلبي، يضيق إختناقا فأقوم، ثم يروح لبرهة فأرقد، ثم يعود بسؤالٍ فأفجعُ، ثم أقوم. كرٌ وفرٌ، وشذرَ ومذَر من الأفكار التي لا تلتقي، والتساؤلات التي تتوالي دون إنتظار جواب عليها. كيف تكون اول ليلة لك وحيدًا في مثواك ياصديقي وقد فارقت روحة من فناء الدنيا الى سعة الاخرة. لا أدري على أي حالة كان موتك، ولا ادري كيف تكون اول ليلة لك بين الأموات بعيدا عن أهلك واصدقائك. هل تسكن فى نور مستديم، أم ظلام دامس، هل سعادة ابديةٌ، أم شقاءٌ دائم؟! - ‏ الموت يأتي بغتة-الموت هادم اللذات- ومفرق الجماعات! - ‏ - ‏«كل نفسٍ ذائقة الموت» - ‏ «كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام» كيف حالك ياصديقي الأن، وكيف كان حالك مع الله من قبل ؟ بل كيف حالي أنا؟! أين ماقدمت لنفسي وأين ما أخرت؟. - ‏ فالموت يأتي بغتة-الموت هادم اللذات، ومفرق الجماعات. - ‏ «لا ظلمَ اليوم» « اليومَ تجزى كلُّ نفسٍ بما تسعى» « فاعتبروا يا اولي الأبصار» فهل اعتبرنا؟! تمضي الحياة بنا ونمضي في دوائرها دون وعي، دون ان نشعر بأن مردَّنا إلي الله «ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون» تتخطفنا فى الحياة ملذاتها ويغوينا الشيطان باتباع خطواته، ونلهث خلف ما لا ينفع ولا يضر، حتي يأتِ الأجلُ فلا رجوع، فماذا قدمت لنفسي! الموت اكبر واعظا، كيف تمضي بنا الحياة دون ما ينفع، وهل خلقنا هباءا. لا وكلَّا؛ لقد خُلقت لنا المخلوقات من اجل بني الإنسان من أجل أن يَعمرَ الدنيا ويصلح فيها، من اجل ان يجتهد فى تحصيل المطلوب منه، من اجل أن يبلغ مراد الله من خلقه ان يتعرف على الخالق حق معرفته، ويبلغ بطاعته وعبادته كامل التسليم بأن الربُ المعبود وحده الخالق لهذا الكون والمدبر له والقادر عليه. أين الزادُ الذي أعددته ليعينك للوصول الى مرضاته يوم العرض عليه؟ ‏تغمرنا الدنيا بما فيها من لهو ولعب ولذةٍ فنألفها، ثم ننسى ونتناسى الإعداد لرحلتنا وحياتنا الأبدية، فماذا قدمت لحياتك؟! ‏لا تعلم! ‏ماذا تركت من نفعٍ لمن يأتي بعدك؛ لا تعلم! ‏بل قل إن شئت عني؛ لا شيء! ‏زادك قليل، الرحلة طويلة، والسفر بعيد. ‏أكثر من الزاد، لتبلغ رحلتك الى وجهتها. ‏- ‏ فالموت يأتي بغتة-الموت هادم اللذات، ومفرق الجماعات. ‏- «لا ظلم اليوم» - «كل نفسٍ بما كسبت رهينه» ماذا كسبت يداك؟ هل خيرٌ يرجى بلوغه، أم شرٌ تخاف الوصول به؟ اليوم لا ينفع والدٌ ولده، ولا يُغني مولىً عن مولىً شيئا. - تدور رأسي ولا ينطق لساني، وتدمع عيناي دون انقطاعٍ، ويبكي فؤادي، تطرب مشاعري ما بين خوفٍ ورجاء، مابين أملٍ مقطوعٍ ودعاءٍ متصل. (الله لطيفٌ بعباده) قل ( وهو الغفور الرحيم) ولكن لا ظلم اليوم- ستجزى كلُّ نفسٍ بما تسعى. غدًا أقدم لنفسي، غدًا أواظب على صلواتي، غدًا احافظ على وردي وأذكاري، غدًا لن أضيع وقتي دون نفعٍ لي أو نفعٍ مني. غدًا أرتب افكاري وابحث لي عن زادٍ أبلغ به رحلتي وسفري فإن البحر هائجٌ والرياح عاصفةٌ، وأمواجه عاتيةٌ، وسفينتي دون شراع، دون دفةٍ، تسيرُ دون وجهة أوليها إليها، تمضي على هوى الريح والأمواج، ليس لي من زاد فيها أبلغ به ما اريد، تحملها أمواج الهوى شوطا، وتعيدها رياحُ الملذات شوطا، وما يصل بها الى شاطيء النجاة والأمان تناسيت بلوغه وتحصيله. - لا ظلم اليوم-غدًا ثم غدٍ ثم غد، واليوم ‏هل من مأمنٍ لك ان تكمله إلى أن تشرق عليك الشمسُ صباحا؟ الأن قُم واقضي، قُم وأعد زاد رحلتك، فما تدري من يُحملُ على الأعناق غدا، أصديقك الذي مات اليوم من يُحمل، أم انت من على الأعناق فى صباحك تحمل؟ - ‏ الموت يأتي بغتة- - ‏ سارع، لاتؤخر عمل الخير، ولا تضيِّع الأوقات فيما هو لهوٌ ولعب. حياتُك لا تُضيِّعها على اللعب فتلقى حين تتركها لُظى التعب حياتُك جُد في صناعتها بخيرٍ كي تنجو من النيران واللهب - الظهور بأبهى صورة هو المقصدُ من جمال المنظر، - ‏فكم من جميلٍ الوجه حين رؤيتِهِ وبالقلب لا فعلٌ من الخيرات ينجيه لعلَّ كلمةً صادقةً تقصدُ بها خيرًا تشفع لك وتنجيك، ولعلَّ ضحكتكَ فى وجه مسكين لم تنهرهُ يرضىٰ الله بها عنك. لا تستحقر امور الخير والمعروف وإن صغرت في عينيك ، ولا تستصغر الذلات فإن النار من مستصغر الشرر، وبذرة الخير حين تغرسها وترعاها تنمو وتزهو وتتورق وتزهر وتثمر وتزدهر وتتضاعف خيراتها، فالكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء، عظيمة الثواب كثيرة الحسنات، تعطي الخير كل حين وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. جذعها الخير فهو اصلها، والخير فى فرعها فالخير لا ينبت الا خيرا كلما إهتممت بها كلما كبرت واثمرت، وتأخذ بذور الخير وتزرع فيكثرُ الخيرُ وينمو ثم يأتي من بعدك من يقطف من ثمارها وخيرها ويزرع وينمو الخير ويتضاعف الى ما شاء الله، فالله يضاعف لمن يشاء.

    الكاتب: كرم محمد حربي

    0المفضلة

    21 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    كرم_حربي #كرم_محمد_حربي أصلها_ثابت #الموت #خواطر 

التعليقات (0)

المزيد من كرم محمد حربي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • ويبقىٰ الأثر