سِفْرُ العَرْشِ
Sep 11, 2025 01:19 PM Sep 11, 2025 01:19 PM
هِيَ آخِرُ الكائِناتِ مِن نَسْلٍ بادَ، تَسِيرُ مُنْحَنِيَةَ الظِّلِّ، تَحْمِلُ فِي أَحشَائِها وُجُودًا يَئِنُّ بَيْنَ الفَنَاءِ وَالخَلاصِ. الأَرضُ تَحَوَّلَ تُرابُها إِلَى جُرحٍ يَفُوحُ دَمًا، وَالسَّماءُ صَارَتْ مَرْآةً تَرُدُّ صَرَخاتِ المَوْتِ. لَم تُوجَدْ لِهذَا العَصْرِ، بَلْ سُرِقَتْ إِلَيْهِ كَمَا تُسْرَقُ جَوهَرَةٌ مِن بَطْنِ الأَزَمِنَةِ. تُسْرِعُ وَالخُطَى تُثَقِّلُهَا، تُحاوِلُ أَنْ تُنْقِذَ وَلِيدَها مِن لَعْنَةٍ أَزَلِيَّةٍ. لَعْنَةٍ هِيَ كَالنِّيرانِ السَّرْمَدِيَّةِ: إِذَا مَسَّتْ جَسَدًا أَشْعَلَتْ فِيهِ شَهْوَةَ القَتْلِ، وَجَعَلَتْهُ يُسَبِّحُ بِدَمِ الأَبْرِياءِ، وَيَبْنِي أَصْنَامَ مَجْدِهِ عَلَى رُفَاتِهِم. بَطْنُهَا يَتَمَخَّضُ بِنُورٍ مَوْعُودٍ، نُورٍ يُزَلْزِلُ الجَبالَ وَيَكْسِرُ أَسْتَارَ العَتْمَةِ. وَرَاءَهَا، ذاكَ الشَّيءُ الَّذي تَجُرُّهُ كَأَنَّهُ صَخْرَةٌ أَزَلِيَّةٌ، أَثْقَلُ مِن السَّماءِ، وَمَعَ ذلِكَ هُوَ أَجْوَفُ مِن فَراغٍ، يَسَعُ الكَوْنَ وَيَبْتَلِعُهُ فِي آنٍ واحِدٍ. تُدْرِكُ أَنَّ آخِرَ النَّبَضِ قَبْلَ المَوْتِ هُوَ حَيَاةٌ كَامِلَةٌ. وَتُدْرِكُ أَنَّ مَا تَجُرُّهُ خَالِدٌ، لا يَدينُ لِإِلَهٍ وَلا يَخْضَعُ لِنَبِيٍّ، تَتَّبِعُهُ كُلُّ العُقُولِ وَتَسْجُدُ لَهُ كُلُّ المِلَلِ. هُوَ الفَنَاءُ وَفِي الفَنَاءِ مَبْغَى الأَشْقِيَاءِ. فَتُقْسِمُ: "لَعَلِّي أُطْمِرُهُ، لَعَلِّي أَنْقُذُ مَن يَأْتِي بَعْدِي مِن زُروعِ الحِقْدِ وَأَشْجَارِ الكَراهِيَةِ وَآلاتِ الفَناءِ." الأَرضُ انْقَلَبَتْ: قِطَّةٌ تَحْتَمِي فِي قَفَصِ العُصْفُورِ، وَبَشَرٌ يَسْتَجِيرُونَ بِأَسْرِهِم مِن رُعْبِ حُرِّيَتِهِم. الغِرْبانُ تُغَنِّي أُغْنِيَةَ الأَفُولِ، وَالحَساسِينُ تَرْثِي النَّاسَ، وَالطّاوُوسُ يَنْتِفُ جَمالَهُ بِمِنْقارِهِ كَنَبِيٍّ كَفَرَ بِوَحْيِهِ. البُومُ وَالخَفافِيشُ صَارَتْ شُمُوسَ النَّهَارِ، وَالشَّمْسُ تَوَارَتْ، فَإِذَا الكَوْنُ ظَلامٌ يَعْتَاشُ فِي القُلُوبِ. الأَشْجارُ خَلَعَتْ جُذُورَهَا وَارْتَحَلَتْ بَحْثًا عَن نُورٍ آخَرَ، وَتَرَكَتِ البَشَرَ مَسْمُورِينَ كَالأَصْنامِ يَنْتَظِرُونَ مَوْتَهُمْ "بِشَرْعِ الأُصُولِ". حَفَرَتْ بِقُوَّةِ مَا بَقِيَ فِيهَا، كُلَّمَا ازْدَادَ أَلَمُ المَخاضِ زَادَتْ عَزْمًا. تُريدُ أَنْ تُوَارِيَ الكابُوسَ قَبْلَ أَنْ يُبْصِرَ وَلِيدُها الضَّوْءَ. تَخْشَى أَنْ يَلْمَحَهُ، فَيَرِثَ سُلْطَانَهُ وَيَسْتَسْلِمَ لِفِتْنَتِهِ. تَفْهَمُ أَنَّهُ لا بُدَّ لِلظَّلامِ أَنْ يُدفَنَ لِيُولَدَ النُّورُ، وَلا بُدَّ لِلمَوْتِ أَنْ يَكُونَ بَابًا لِلحَياةِ. فَفِي آخِرِ نَبْضِهَا، أَهالَتِ التُّرابَ عَلَيْهِ، وَخَرَّتْ قُوَّتُها. وَفِي ذُرْوَةِ المَخاضِ، صَاحَ النُّورُ مِن أَحشَائِها. آنَ لَهَا أَنْ تَلِدَ آدَمًا وَحَوَّاءَ آخَرَيْنِ، يُعِيدَانِ الطُّهْرَ إِلَى أَرْضٍ سَحَقَتْهَا الأَطْمَاعُ. وَلَكِن... ذاكَ الكائِنُ المَطْمُورُ لا زَالَ يَتَنَفَّسُ تَحْتَ التُّرابِ، وَوَهَجُ طُغْيانِهِ يَتَسَلَّلُ كَنَارٍ سِرِّيَّةٍ فِي جَوْفِ الأَرْضِ. وَلِيدُها بَكَى، ثُمَّ صَاحَ كَمَا يَصِيحُ المُلُوكُ عِندَ التَّتْوِيجِ. وَقَبْلَ أَنْ تَسْتَرِيحَ، داَهَمَهَا مَخاضٌ آخَرُ... وُلِدَ طِفْلٌ ثانٍ، وَبِوِلادَتِهِ انْفَتَحَ صِرَاعٌ سَرْمَدِيٌّ عَلَى ذاكَ العَرْشِ المَخْفِيِّ. زَحَفَا وَهُما يَقْطَعانِ حَبْلَهُمَا السُّرِّيَّ بِأَسْنَانِهِمَا، يَتَنَازَعَانِ عَلَيْهِ، وَيَسْقُطَانِ فِي أُولَى خَطَايَاهُمَا: نِسْيَانُ البَراءَةِ. وَبِمَا بَقِيَ مِن نَفَسٍ، جَمَعَتْهُمَا إِلَيْها وَهَتَفَتْ كَنَبِيَّةٍ فِي آخِرِ الوَصِيَّةِ: لا تَسْعَيَا إِلَى ذاكَ العَرْشِ الَّذي دَفَنْتُ، فَفِيهِ تَتَجَسَّدُ سُلطَةُ الفَنَاءِ. رابط الكتاب https://heyzine.com/flip-book/6598a7c570.html


الكاتب: محمد الطحيني
0المفضلة
35 المشاهدات
0 تعليقات