• لم أعد أعرف من أنا

    جَلَسْتُ أَمامَ مِرآةٍ لَم تَعُدْ تَعكِسُ مَلامِحي كانَتْ تَعكِسُ صُورَةَ رَجُلٍ يَتَفَتَّتُ مِثلَ رَمادٍ يَتَطايرُ مَعَ كُلِّ نَفَسٍ يُخرِجُهُ. قالَ لي الرَّمادُ في المِرآةِ: ــ أَخيرًا جِئتَ... كُنتُ أظُنُّكَ نَسيتَ الطَّريقَ. أَجَبتُهُ بِفُتورٍ: ــ جِئتُ بِلَا نِيَّةٍ... ساقَنِي التِّيهُ، وكأَنِّي أَبحَثُ عَن نَفسي بَينَ وُجوهِ الآخَرينَ. قَهقَهَ وَقالَ: ــ نَفسُكَ؟ لَقَد تَرَكتَها مُنذُ زَمَنٍ في زِنزانَةٍ بارِدَةٍ، ثُمَّ مَضَيتَ تَبحَثُ عَنها في الوُجوهِ المِلساءِ... وَلَكِنَّكَ لَم تَجرُؤ أَن تَنظُرَ هُنا، حَيثُ الحَقيقَةُ أَكثَرُ قَسوَةً. أَرَدتُ أَن أَنهَضَ، فَأَوقَفَني صَوتُهُ الخَشِنُ: ــ لَا تَستَعجِلِ الرَّحيلَ، لَدَيَّ ما أَقُولُهُ. ــ قُل. ــ رَأَيتُ ظِلَّكَ يَتَسَكَّعُ في الشَّوارِعِ... كانَ يَجُرُّ قَدَمَيهِ كَما يَجُرُّ السَّجينُ قُيودَهُ، وَكانَ يَسأَلُ المارَّةَ عَن بَيتٍ يُؤويهِ، وَلَكِن أَحَدًا لَم يَعرِفْهُ. قُلتُ بِانكِسارٍ: ــ رُبَّما لَم يَعرِفوهُ لِأَنَّني لَم أَعُدْ أَعرِفُ نَفسي. ــ أَو لِأَنَّكَ تَرَكتَها تَضيعُ حِينَ كانَ عَلَيكَ أَن تَمسِكَ بِها... حِينَ كُنتَ قَوِيًّا، غَنِيًّا، قادِرًا عَلى أَن تَصونَ ما تُحِبُّ. أَطبَقتُ شَفَتَيَّ، وَلَكِنَّ المِرآةَ لَم تَرحَمني: ــ رَأَيتُ طِفلَةً ذاتَ عُيونٍ تُشبِهُكَ، كانَت تُفَتِّشُ عَنكَ بَينَ الصُّوَرِ القَديمَةِ... سَأَلتُها: «ماذا تَبحَثينَ؟» فَقالَت: "أَبحَثُ عَن أَبي قَبلَ أَن يَترُكني". حِينَها انسَكَبَ الرَّمادُ مِنَ المِرآةِ عَلى الأَرضِ، يُغَطِّي قَدَمَيَّ، يَلتَفُّ حَولي كَكَفَنٍ دافِئٍ، وَهَمَسَ: ــ أَنتَ حَيٌّ لَكِنَّكَ تَعيشُ كَما الأَمواتِ... أَمَّا أَنا، فَلَستُ إِلّا صُورَتَكَ الَّتي دَفَنتَها وَلَم تَكتُبْ عَلى قَبرِها حَتّى كَلِمَةَ وَداعٍ.

    الكاتب: محمد الطحيني

    0المفضلة

    42 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    وهم 

التعليقات (0)

المزيد من محمد الطحيني

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • لم أعد أعرف من أنا

    المزيد من محمد الطحيني

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة