• العودة إلى وطنٍ لا يتذكرني

    حين وصلتُ، كانت الشوارعُ قد غيّرت أسماءها، والمآذنُ ترتّلُ بلحنٍ جديد لا يحفظه قلبي. المقهى القديمُ صارَ متحفاً للغبار، والعجوزُ الذي كان يبيعُ الحلوى عند الزاوية تحوّلَ إلى تمثالٍ من رمادٍ في الذاكرة. في المطار، مرّرتُ جوازَ سفري على وجهِ الوطن، لكنّ الكاميرا لم تتعرّف عليّ. ربما لأنّ صورتي ما زالت ترتدي وجعَ المنفى، ورائحةَ الطرق البعيدة. كلُّ شيءٍ هنا يشبهني حين أنكر نفسي: الحدائقُ التي تنامُ في ظلالٍ قصيرة، الأنهارُ التي تحفظُ جريانها خوفاً، والناسُ الذين يتحدثون بصوتٍ منخفضٍ كأنّهم يعتذرون عن التنفس. وقفتُ أمامَ بيتي القديم، كان البابُ منطفئًا، كأنّ أحداً لم يعد يطرق الأبواب. لمحتُ طفلاً يشبهني في النافذة، فابتسمتُ له، لكنه اختفى كما تختفي القصائد حين نحاول أن نفهمها. قلتُ للوطن: "ها أنا أعود." فقال بصوتٍ يشبه الريح: "عد إلى حيث كنتَ تحلم، فالذين غادروا لا يعودون، إنهم يأتون بأسمائهم فقط." عندها فهمتُ: الوطنُ ليس أرضاً، بل جرحٌ يتكلمُ لغاتٍ عدّة، ويحملُ وجهَ أمٍّ تضيءُ العتمةَ بالدعاء.

    الكاتب: خلدون الدالي

    0المفضلة

    11 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    خلدون_الدالي #اليمن شعر_خلدون_الدالي 

التعليقات (0)

المزيد من خلدون الدالي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • العودة إلى وطنٍ لا يتذكرني