• الصندوق

    الصندوق عاد ضاحي من السخرة في حفر قناة السويس أطلال رجل، وهيكلاً يكاد يتداعى من ثقل ما يحمل من هموم وذكريات موجعة.. مشى حافيا جائعا منهكا من العمل الشاق في حفر القناة، وجروح السياط تلسع ظهره بملح العرق. مشى هزيلا خاوي الوفاض يقتات من كسرات الخبز اليابس وبعض الملح الخشن او البصل والخس والجرجير الذي يقدمه له أبناء الريف على ما بهم من خصاصة وسوء حال خلفه الاحت ثلاثة أيام مشاها من فايد إلى قريته في الدلتا يصحبه فيها أصوات السياط على الظهور، وأنات الوجع في الحناجر الجافة والصدور الناحلة، وصور الرجال يتساقطون موتى كما تسقط أوراق الخريف، والوجوم يخيم على وجوه تنتظر الميتة نفسها وربما تتمناها لكي تستريح من عناها. أجاءهُ حر الصيف وتعب المسير إلى ظل توتة على شاطيء ترعة في طريق عودته، فجلس في ظلها يستريح، ثم نظر حوله فلم يجد أحدا فخلع ثيابه وتركها قرب الشاطيء ونزل يستحم في مياه الترعة الجارية ليشعر بلذة الاستحمام وانتعاش الماء البارد في القيظ.. شعر ضاحي أنه ينزع جلده القديم بكل أدرانه وأحزانه في ماء النيل الذي أشتاق إليه كثيرا. وخرج من جلده كما يخرج الثعبان من جلده القديم مستريحا فمد يده وتناول ثيابه القديمة يغسلها في الترعة ثم نشرها في شمس الظهيرة حتى جفت ونام في ثوبه تحت التوتة حتى بردت الشمس.. لبس ضاحي ثيابه وتناول حفنتين من التوت وغرف الماء الرائق من الترعة بكفيه وشرب حتى ارتوى وأكمل مسيره عائدا للبيت.. كان في طريق عودته وحيدا يحلق بمشاعره في ذكريات حياته مع أهله وأبناء قريته الذين هم جميعا ذووا قربى كعادة القرى الصغيرة في ذلك الوقت . يتذكر أباه وأصحابه وجيرانه وزوجته وماضيه كله كأنه يشاهد مسرحية أو قصة مصورة ويتخيل كيف يكون اللقاء بعد هذا الغياب وصل ضاحي القرية بعد الغروب فتنادوا بعودة ضاحي وصحبوه للديوان ( دار مناسبات لكل أبناء العائلة يجتمعون فيها). أشعلوا الكلوب فأنار الديوان وخرجت النساء كل ربة بيت تحمل على رأسها طبلية عليها ما قدرت على إعداده من طعام للعشاء. تناول الشبان الطبالي من فوق روؤس نساء العائلة وذهبوا بها إلى أرباب البيوت وجلس الجميع يتناولون العشاء ويرحبون بعودة ضاحي سالما. قام الحاج أحمد أبو الفضل فدعا الناس لصلاة العشاء وبعد الصلاة نادى ضاحي للجلوس جواره وتوجه له قائلا: -حمد الله على السلامة يا ضاحي. بركة انك رجعت بخير. - الله يسلمك يا عمي الحاج - انت غبت عنا مدة وانت عارف ان الدنيا ما تبقاش على حالها واحنا ما كناش معشمين انك ترجع تاني خصوصا ان أكثر اللي راحوا السخرة ما رجعوش. لكن الحمد لله يمكن دعواتنا لك ورضا أبوك عنك -الله يرحمه- وترقرفرقت الدموع في عيني ضاحي ثم انفجر باكيا وتجمع أبناء القرية حوله يعزونه ويواسونه في فقد أبيه. كان ضاحي كغيره من أبناء الريف لا يملك إلا قوت يومه من عمل يده أجيرا عند الإقطاعيين الذين استحوذوا على الأرض وجعلوا الفلاحين أجراء عندهم أشبه بالعبيد أيام العبودية يعطونهم مليمات. كان كثيرا ما يضيق الناس بالفقر والاستغلال والاحتلال فيثورون ثم تقمعهم السلطات وهكذا كر وفر. ذات ليلة قدم أحد شبان القرية فأذاع أن الهوجة ( كما يسمي الفلاحون الثورة والتمرد ) قامت في البر وأنّ الناس بتنهب دكاكين الخواجات. سارع الناس إلى المدينة المجاورة وكانت تبعد عنهم بضعة أميال فدخل ضاحي مسرعا إلى أحد دكاكين الخواجات فلم يجد إلا صندوقا كبيرا محكم الغلق بقفل كبير وثقيل الوزن وهو ما جعله باقيا. رغم السلب،فتحامل ضاحي وحمل الصندوق على كتفه ومشى به لبيته خائفا أن يدركه أحد مشى ورغبته في ما في الصندوق تغلب تعبه وتعينه على حمله وتحمله. ظل يلهث تحت الصندوق مكبلا به وهو يحمله على كتفه وظهره حتى وصل البيت. كان يمني نفسه بكنز ثمين ومال وفير يخرجه من بوتقة الفقر إلى سعة العيش ودعة المعيشة وهو يلهث تحت الصندوق. ألقى الصندوق عن عاتقه وأسرع لاهثا للفأس فضرب بها القفل عدة ضربات، أكسبتها اللهفة قوة فانكسر القفل ومد يده وهو لا يكاد يلتقط أنفاسه يفتح الصندوق وزوجه تقف أمامه مذهولة تحبس الأنفاس. فتح ضاحي الصندوق فإذا هو مملوء رملا فلم يصدق عينيه وشرع يفتش الرمل بأصابعه ولم يطق صبرا فقلب الصندوق ونفضه ونثر الرمل حوله وهو يقول لاهثا والدموع تفيض من عينيه وأنفه: رمل؟! رمل؟!! ويصيح في استنكار وذهول حتى تقطعت أنفاسه ثم أمسك معدته يتأوه وخر على وجهه في رمل الصندوق والدم يسيل من فمه تداعت القرية لصراخ نوارة وولولتها على ضاحي وفي العزاء تحدثوا كثيرا عن معاناة ضاحي وحظه العثر وخطأ حمله صندوقا ثقيلا كل هذه المسافة وهو لا يدري ما فيه حتى قطع أنياط قلبه فمات. مات ضاحي ولم تمت حكاية الصندوق ولا يزال أبناء القرية يتواترونها بينهم.

    الكاتب: خالد مطير

    0المفضلة

    56 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    قصة فلاح بائس مات صندوق 

التعليقات (0)

المزيد من خالد مطير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الصندوق