مَيل
Dec 12, 2025 08:42 PM Dec 12, 2025 08:42 PM
إلى سيّدتي التي أذهبَت عن الأشياء اسماءها.. منذ عرفتكِ، وأنا أكتشف أنّ للصوت ظلاًّ أطول من صاحبه.. يتسلّل إليّ كما يتسلّل الضوء إلى فجواتٍ ما كنتُ أظنّ أن في قلبي مكانًا لها. كأنّكِ الوتر الذي تُقاس عليه كلّ الأنوثة، وكأنّ النساء -مهما اختلفت أسماؤهن- لا يأتين إلا كظلالٍ بعيدةٍ لكِ، ولا يمضين إلا وفي أثرهنّ شيءٌ منكِ. وكأنّ الجمال، مذ عرفتكِ، صار يُشبهكِ أكثر مما يُشبه نفسه. يا دهشتي.. تمرّ النساء، لكنّكِ أنتِ وحدكِ الباقية. يمرّ الحسن، لكنّ وجهكِ هو نصّي الأول، وتظلّ البقيّة حواشٍ لا تُقرأ إلا لتشير إليكِ. وياللغرابة! ما عدتُ أفهم كيف يُحبّ المرء بقدرٍ معتدل، بحدودٍ منضبطة، أو كيف يمسك قلبه عن ميلٍ يشقّ طريقه إليكِ، يسافر إليكِ، حتى وأنتِ بعيدة. كلما حاولتُ الإفلات من أثر صوتكِ، تعلّقتُ به أكثر، وكأنّ قلبي -منذ عرفكِ- تراجع عن فكرة أن يموت بسهولةٍ مرّة أخرى. وأعترف.. ما أخافه ليس حبّكِ، بل أن يكون قلبي قد وجد مكانه أخيرًا في صدرٍ لا أعرف كيف أبلغه. لو تعلمين كم يربكني أنكِ صرتِ مقياس كل شيءٍ عندي، وأنّ كل امرأةٍ تمرّ -مهما اكتملت- تبدو نسخةً شاحبة منكِ، ظلاًّ بعيدًا لكمالكِ الذي أعرفه، وأما أنتِ.. فأنتِ الحضور الذي لا يحتاج وجهًا آخر. أحتاجكِ، احتياجًا لا يصرخ، ولا يتوسّل، بل ينساب في صدري كنبضٍ يعرف وجهته، ويكشف نفسه فقط حين يتعثّر اسمي باسمكِ أحتاجكِ كما تحتاج القصيدةُ قارئًا ينقذ معناها، وكما تحتاج النارُ إلى يدٍ تعرف أين تُشعلها، وكما يحتاج الليلُ إلى ضوءٍ صغير ينقذه من سكونه الطويل. يا أنتِ.. يا تلك التي لا أعرف كيف أحبّها قليلاً، ولا كيف أبتعد عنها ولو فتح قلبي بابًا لذلك، أراكِ كأنكِ السرّ الذي كان ينتظرني، حتى أبلغ العمر الذي أستطيع فيه فهمه دون أن أترجف. إنني -كلما حاولتُ التماسك- وجدتني أميل نحوكِ كغيمةٍ تعرف طريقها إلى مطرٍ واحد، وأتشبّث بكِ كما لو أنّ العالم كلّه مجرد ذريعة لألتفت إليكِ أكثر. وليس في قلبي الآن إلّا هذا الميل، الذي لا يطلب إذنًا، ولا يعرف طريق العودة.


الكاتب: ميم
0المفضلة
29 المشاهدات
0 تعليقات