بحر مهمل ووزن مهجور (1)
Jan 8, 2026 12:18 PM Jan 8, 2026 12:18 PM
بحر مهمل ووزن مهجور (1) عبده بن فايز الزبيدي تأملت البحور المهملة والأوزان المهجورة، فوجدت أمورا أحب أن أشارككم بها هنا، وسأبدأ بهذه التنبيهات: (1).الحكم على بحرٍ أووزنٍ بالمهمل أو المهجور هو مسألةٌ نسبيّة،فقد يقول قائل بإهمال بحر ما ، ويقول آخر بخلاف هذا، جاء في العيون الغامزة: (وزاد الأخفش بحراً آخر ذهب إلى أنه مستعمل، وتبعه على ذلك جماعة وهو بحر المتدارك، وستقف عليه إن شاء الله تعالى. والخليل يرى أنه من المهملات.) فقد يُستخدم بحرٌ من البحور في عصر من العصور، ثم يُهمل، وقد يُهمل بحرٌ ما في عصرٍ ما، ثم يبعث في عصور تالية، وكذلك الحال تكون مع بعض الأوزان المشتقة من البحر الرئيس، ومثال ذلك أن الرجزَ كان يقال له حمار الشعر؛ لكثرة ما يكتب عليه، ثم تقلص دوره، حتى أنك تجد شعراء مكثرين مثل البحتري وأبي تمام وليس في دواوينهم سوى النزر القليل من هذا البحر، واليوم يندر أن تجد من يكتب عليه من شعرائنا المعاصرين. والمنسرح الذي كان مهملاً في العصر الجاهلي وصدر الإسلام، راجت سوقه في العصر العباسي وما بعده كالمملوكي، ثم اندثر في شعر المعاصرين، وقد أسميته مومياء الشعر. (2). من اللافت أنك تجد كثيرا من البحور والأوزان المهملة في الشعر الفصيح، مستعملة ومطروقة بكثرة في شعر العامة. وهذا يبطل دعوى من زعم أن العرب هجرت ذلك البحر وأهملت ذلك الوزن بسبب الذائقة، وأن لحنه غير مستساغ عند القائل والسامع. والمشتغل بالشعر المتابع له يرى أن النثرية قد تطغى على لحن بحرٍ مثل الخفيف عند السماع، بينما له لحن مطرب في الإنشاد والغناء، وكذلك الحال مع المنسرح، ومع أكثر البحور التي تسمى في كتب العروض بالبحور المهملة. بل تجد أوزانا مهجورة تنتمي لبحور شريفة مستعملة، فمجزوء الطويل يكاد أن يكون معدوما من شعر الشعراء قديما وحديثا سوى النزر القليل، وكذلك صورة مجزوء المديد (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن)، مع أن العامة يستخدمونها في لحن العرضة النجدية. فالممتد وكذلك المطرّد _مثلا_ من البحور المستعملة اليوم وبكثرة لافتة في الشعر النبطي بالمملكة العربية السعودية، بينما هما من مومياء الشعر الفصيح. فليس للذائقة أي دورٍ في استخدم وزنٍ وهجر آخر، وقد وجدت من خلال تجاربي الشعرية أن الذائقة ليست مسطرة يقاس بها الشعر، وكم من شاعرٍ كان يرى أن الكتابة على بحر مهملٍ_ مثل الممتد_ مستحيلة، أو ممكنة مع تكلف عسيرٍ، ولكنه لمّا تتبع لحنه واتقنه سهلت الكتابة له عليه. (3).ومن المثير للدهشة الباعث على الاستغراب أنك تجد وزن الكامل ووزن الوافر على الدائرة مهملين تماما في شعر العامة، فلا يكتب العامي اليوم في السعودية_مثلا_ على الكامل: (متفاعلن متفاعلن متفاعلن)، ولا على الوافر كما في الدائرة: (مفاعلتن مفاعلَتن مفاعلن)، والسبب في رأيي هو وجود الفاصلة الصغرى في الكامل وهي (متفا)، وفي الوافر: (علَتُنْ)، والفاصلة ثلاث متحركات متتاليات ثم ساكن. ولهذا لا تجد العامة يكتبون عندنا على وزن المُحدث_وهو صورة من المتدارك_ بينما يكثرون من المتدارك الرئيس، ومن الخبب الذي هو شقيق المحدث، وإهمالهم للمحدث في العامية لأنه يتألف من (فعِلنْ) وهي فاصلة صغرى كما بينت لك. (*) والعامية تختلف مع الفصحى في ترك الإعراب، ويكثر التسكين في كلام العامة، ولهذا اختفت الفاصلة الصغرى من أشعارهم، بيْدَ أنهم استعملوا ما يوافق كثرة التسكين، فاستعاضوا عن الكامل بالرجز الذي يسمونه الحدا أي الحداء، ووجدوا في الهزج بدلا من الوافر. (4). خالفت العاميةُ الفصحى في تجاوزعدد التفاعيل _الأجزاء_ المسموحة بها على دائرة الخليل، حتى إن بعض شعراء العامة أوصل أجزاء الشطر الواحد إلى ثمانية أجزاء، في البحور الصافية الخماسية مثل: المتدارك والمتقارب، وهذا قريب من عمل الأعاجم، ومثله أنك تجد العامة يستخدمون الصورة لرباعية في الشطر الواحد من البحور ذوات التفاعيل السباعية الصافية، كما في الرجز والهزج، وهذا ممتنع عند الفصيح، ولا يأتي منه سوى الشاذِّ الذي لا حكم له، فهو عند الفصيح مهمل مهجور وعند العامي مستعمل مشهور. (٥). والإهمال كما يقع على البحر والصورة من البحر. ، نجده يقع على الجزء (التفعيلة)، فمثلا نجد في الفصيح أنه قد أهملت (مفاعيلن) في عروض الطويل، وأهملت (فاعلن) في عروض البسيط، وكذلك في العامي نجد إهمالا تاما لكل جزء به فاصلة، مثل: متفاعلن ومفاعلتن. ................... (*) أشار لهذه النقطة الباحث الدكتور صدام سعد كدة المهري في قناته على اليوتيوب (د.صدام بن كده).


الكاتب: عبده فايز الزبيدي
0المفضلة
109 المشاهدات
0 تعليقات