فخّ العشم
Jan 4, 2026 02:25 PM Jan 4, 2026 02:25 PM
الحياةُ مليئةٌ بالفِخاخِ، منها ما نسجَتْهُ الطبيعةُ في ثَناياها، ومنها ما صنعَتْهُ أيدي الآخرين عمدًا وخطأً، والأدهى منها ما ينصِبُه الإنسانُ بنفسِه.. والفخُّ شرٌّ مُستَتِرٌ وخيرٌ مَكذوب، هو الظنُّ الخاطئُ في غيرِ محلِّه، هو رؤيةُ الأشياءِ على غيرِ حقيقتِها، إنَّه غيابُ الواقعِ وحضورُ الوهم.. إنَّ الفخَّ هو الغفلة! .. ومن بَلاءِ الفخِّ أنَّ حقيقتَه قد لا تنجلي أمامَك أبدَ الدهر، حتّى تَزِلَّ قدمُك في شِراكِه، فقط في تلكَ اللحظةِ الخاطفةِ تنتبِهُ انتباهَ المدهوش، ولكنَّها انتباهةٌ متأخِّرة، إذ تكونُ قد وقعْتَ فيما ـــ رُبَّما ـــ لا فِكاكَ منه! والعَشَمُ فخٌّ كبيرٌ يصنعُه المرءُ بكلتا يدَيه، ينصِبُه لنفسِه بإحكامٍ مُتقَن، إذْ يؤمِّلُ في غيرِه أكثرَ ممّا يؤمِّلُ في نفسِه، ويخطِّطُ لشُؤونِ حياتِه استنادًا إلى مَن حولَه، فيجعلُ اختياراتِه وأحلامَه رَهْنَ مَشيئةِ غيرِه، فإذا به قد صنعَ المصيدةَ بيدَيه، ونصَبَ لنفسِه فخًّا لو اجتمعَ الآخرونَ ليُوقِعوه في مثلِه، لاستعصى عليهم! ومن آفةِ هذا الفخِّ أنّه فخٌّ مركَّب، فإذا وقعتَ في فخِّ العَشَمِ تلقى فخَّ السَّخَطِ والكُرْهِ في انتظارِك! .. إذْ تبدأ في مَقتِ الآخرين لمجرَّد أن إرادتَهم لم توافق خططَك وأحلامَك، ورُبَّما تخسرُ وُدَّهُم وصداقتَهم لمجرَّد أنَّك لم تقبل أن يكونَ للآخرين مشيئةٌ مُغايرةٌ لمشيئتِك، أو خططٌ لا تتقاطعُ مع خططِك، وهو عينُ ظُلمِ المرءِ لنفسِه قبلَ غيرِه! فاحذرْ أن تقعَ في فخٍّ بعدَ فخٍّ، وظُلمٍ بعدَ ظُلم، وخَسارةٍ بعدَ خَسارة، فتجدَ نفسَك في فَضاءٍ وَحدَك.. ليس لك من أنيسٍ ولا جليس! ولْتحذرْ أن يتحوَّلَ العَشَمُ الذي في نفسِك والأملُ الذي في خَيالِك إلى استحقاقٍ ما هو ليس من حقِّك، أو جُموحِ الرغبةِ فيما لا تملكُ مفاتحَه، وليكنْ أملُك في غيرِك وعَشَمُك فيه مدفوعًا بتوافُرِ الوُدِّ وقُربِ المسافةِ بينَكما، وإيّاك أن تجعلَ الوُدَّ والقُربَ بينَكما مَرْهونًا باستجابتِه لك أو وفائِه لعَشَمِك.. ولكنْ ليبقَ في ذهنِك أنَّ جوابَه محمودٌ وإعراضَه مقبول، فإن أجابَك فذاكَ فَضلُه، وإن لم يُجِبْكَ فذاكَ حقُّه! أيُّها الرفيقُ، كُنْ خفيفًا سَهلًا، وليكنْ عَشَمُك الأبديُّ وأملُك اللامحدودُ ورجاؤُك غيرُ المُتناهِي مُصوَّبًا نحوَ الذي يُعطي بلا سبب، ويَهب بلا طلب، ويَسمعُ دونَ صوت، ويَرى بغيرِ ضوء، وهو الذي يقولُ للشَّيءِ: كُنْ فيكونُ، فليس لفعله زمن، ولا لإرادتِه رَدّ، قولُه الحقُّ، وله الملكُ يومَ يُنفَخ في الصُّور! - أكتوبر ٢٠٢٥


الكاتب: إسلام البهنساوي
0المفضلة
47 المشاهدات
0 تعليقات