• هزائِم بعين منتصر

    كل مرٍ سيسلب فصًا من روحك قبل أن يمر. هذه فلسفتي في الحياة, وأراها فعّالة سواء أدركتُ نقص الفصّ المسلوب أم لا, وأرى أن إدراك ما سُلب أخفُّ وطأةً من أن تُسلب وأنت مغمضُ العينين لا تعلم أنك نقصت وتظنّ كلّ الظن أنك كامل. لكن ثق بي الإدراك لا ينقص من الألم شيء, هو فقط يُعلمك بأنك لم تعد كما كنت. أدرك تمامًا أن روحي الرقيقة سُلبت الكثير من الفصوص, سُلبتُ المرح والمتعة وبعض الذكرى وحتى رقتي سُلبت. خضت رحلة صعبة مؤخرًا, لا يمكنني القول أنني نجوت منها بكامل روحي, ولا يمكنني الجزم أن حالتي تليق بحالة منتصر. لم يكن مخطط لهذه الرحلة أن تكون ضمن نطاق ما نسميه "مر", لكن عند نقطةٍ ما أصبحت كذلك. يمكننا أيضًا تسميتها حربًا عوضًا عن رحلة, لأنها كانت حربًا بين نفسي وبيني, طوال الرحلة كان هناك جانبان مني, ورأيان متناقضان تمامًا, ورغبتان تتناقض كلٌّ منهما مع الأخرى أيضًا. لم يكن هناك طريق واحد لإتمام الأمر, بل كان دائمًا طريقان, ولم أكن أعرف أيهم الصواب. الطريق الصعب والطريق السهل, وكنت كثيرًا ما أقف في مكاني لفترة طويلة جدًا فقط لأنني لا أعرف أيهما اسلك, هل أسلك السهل لأنجو؟ أم أسلك الصعب لأتعلم؟ وكلاهما محفوفان بالمخاطر, فالسهل محفوف بمخاطر الجهل, والصعب محفوف بمخاطر الخوف والتي تتركز في ماذا لو لم أتمكن منه؟ وماذا لو كانت مهاراتي أقل من اللازمة لسلك هذا الطريق؟ كانت رحلة تتطلب الكثير من القرارات وأنا إنسان أخاف القرارات أخاف الاختيار لأنني أخاف الندم, لكن في هذه لم أترك قرارًا من غير اختيار كما كنت افعل سابقًا واترك القدر ليختار بدلا عني, لم تكن اختياراتي على صواب دائمًا لكن لطالما اختياري أفضل من اختيار القدر, فسوف اختار. لم أخرج من هذه الرحلة سوى ببعض الورود وشيئًا من ازدراء الذات. وهذا ما يمنعني من الشعور بالسعادة لما أنجزته وأتممته, لم أفرح ولم أشعر بأي متعه عند انتهاء هذه الرحلة, وهذا ما يزعجني أنه وبسبب شيء جانبي جهده لا يذكر مقابل الجهد المبذول في الرحلة كاملة الغيت كل المجهود المبذول حتى وصول خط النهاية, وكأنه لم يكن! كأنني لم أكن هناك يومًا اقاوم كل مغريات الركود ومقوّمات الفشل وأحاول بكل مهاراتي أن أجيد ما يتطلبه الأمر للوصول, وكأن كل تلك الدموع التي ذرفتها على أمر لا أعرف كيف أنجزه لم تُذرف, وكأن مشاعر النقص تلك التي شعرتها حيال كل نقد لاذع سمعته لمهام تَطلّب مني إنجازها شهور, وكأنها لا شيء! لم يكن سوى حلمٌ أو خيال! لم تُستنزف روحي من قبل مثل ما حدث في رحلتي هذه, لم أتحمل يومًا آلام جسدية من أجل شيء أيًا كان كما فعلت لرحلتي هذه, لم تكن سهلة لم تكن هينة أو يسيره, ويمكنني القول أن الدموع التي ذرفتها في رحلتي تعادل الدموع التي ذرفتها في اخر سبع سنوات من عمري قبل بدأ الرحلة, ورحلتي لم تكن الا سنتين.. نجحت بالوصول, ولكنني لم أشعر بلذة الوصول. لا أكتب هذا بدافع الفضفضة بل أكتبه لأتذكر, أتذكر ما قمت به لأصل وما قدمته لأنجح, لأتذكر أن هنالك جهود وحروب لا يعلم عنها سواي فلا يمكنني نسيانها لأنني الفائز فيها ولا يمكن للفائز أن ينسى مكاسبه خلفه فلا يكون لحروبهِ مغزى. حتى تلك الهزائم أريد تذكرها لأذكّر نفسي بأني نجوت.. رغم كل شيء, نجوت. ما قدمته ليس الأفضل في العالم لكنه كان أفضل خيارات عنود المتاحة لها. كان الاستسلام خيارًا, وكان الفشل خيارًا, وضعف المستوى خيارًا أيضًا, لكني لم أختر أي منهم واخترت أن ابذل كل ذرة قادرة على تقديم الجهد بداخلي وتقديم أفضل ما لدي لأنجح, وليس النجاح وعبور خط النهاية فقط بل النجاح بأفضل مستوى ممكن وهذا ما حصلت عليه. أنجزت كل مهمة وُكّلت إلي وقدمتها.. بعينٍ ساهره وظهر غيرَ مستقيم وخطوات مترددة, قدمتها. لهذا الجسد وهذه الروح وهذا العقل, ولكل تلك المحاولات وكل تلك الدموع وتلك الليالي التي قلصتُ فيها ساعات نومي لأنجز مهمةٍ ما, وكل رغبات الاستلام التي لم تجد من يحققها, وكل ذاك الخوف و القلق والانهيار والشعور بعدم الرضا, لكل هذا حقٌ بالفرح علي.

    الكاتب: عنود

    0المفضلة

    32 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من عنود

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • هزائِم بعين منتصر

    المزيد من عنود

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة