• تعقيبات على كتب العروض (4)

    قال صفاء خلوصي في كتابه (فن التقطيع الشعري والقافية)، في هامش رقم (1)، في معرض بحثه عن سبب تسمية العروض، بقوله: (أكبر الظن أن العروض سُمِّيَ عروضاً، باسم عُمانَ، التي كان يقيم فيها الخليل بن أحمد، فقد أورد ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة (جـ1 ص 307) ما يلي: (.... أما بعد يا معاوية، فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين، وأهل المصرين، وأهل الحجاز، وأهل اليمن، وأهل مصر، وأهل العروض، والعروض عمان، .......). [ص: 26]. قلتُ: هذا رأي غريب منه؛ لأن المشهور عند أهل التراجم أن إمام العربية الخليل بن أحمد الفراهيديّ، ولد وعاش ومات بالبصرة، ثم أين الدليل مما أورد خلوصي من نص نهج البلاغة، هل ورد فيه ذكر الخليل، أو جاء ذكر لولادته أو إقامته بعُمَانَ؟ الجواب: لا. والعجب أنه استعرض كلام العلماء في سبب التسمية، وقدم أضعف الأقوال منها، ثم حاول أن يعزز له بما لا ينفعه بشيء كما بينت لك. ومما نردُّ به عليه من كلامه، قوله بنصه: (وقد اختلفتِ الآراء في سبب تسمية العروض عروضاً، فمن قائل إنه سمي باسم المكان الذي أُلف فيه؛ لأنَّ واضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي أُلهمه في العروض، أي مكة، ومن قائل إنه سمي باسم الجمل الذي يصعب قياده وترويضه، ويعرف بالعروض، فسمي باسمه، من باب التشبيه، وقيل بل هي الخشبة العارضة في الخيمة، فسمي باسمها من باب التشبيه أيضاً، وقد اقتبست أكثر الاصطلاحات العروضية من أجزاء الخيمة ومستلزماتها، من نحو: "الوتد" و"السبب" و"الضرب" و"المصراع" و"الركن"، وكذلك أسماء بعض الزحافات، من نحو: "الخبن" و"الطي" مما يتفق للقماش، الذي تصنع منه. وإذا كان تشبيه بيت الشَّعَر ببيت الخيمة قد أثر في اقتباس أجزاء الخيمة لأجزاء البيت الشِّعْريّ، فإن سير الجمل بضروبه المختلفة وحركاته المتنوعة قد أثر في موسيقى الشِّعْر العربي، فقد روي أن بعض أوزان الشعر العربي نشأت تقليدا لحركة الجمل في سيره، وقيل إن أقرب الأوزان محاكاة لسير الجمل هو الرجز، وقيل بل هو مجزوء الكامل، ......،وتعرف التفعيلة الأخيرة من الشطر الأول بالعروض، وهي أهم تفعيلة في البيت كله؛ لأن بناء القصيدة كلها يقوم عليها ..........). [ص: 26 – 27]. قلتُ: قد أبطل استنتاجه الذي ظنَّه بنفسه، والذي يبدو لي أن ما كتبه في الهامش، هو استدراك استدركه لاحقاً، وإلا فكيف يقول إن تسمية علم العروض راجعٌ لتسميته باسم العروض التي بعمنى عُمان، ولم يقدم أي دليل يربط بين التسمية والمسمّى. ولو أردت أن أرجح بين الأقوال التي أوردها لاخترت له القول القائل بأن سبب التسمية راجع للعروض التي هي عارضة الخيمة، وهي خشبة تقوم بمنتصف بيت الشَّعر، فكما أن بيت الشَّعَر تقوم فيه عروضه فتقسمه على قسمين، فكذلك عروض البيت الشِّعري تقوم في منتصف البيت وتقسمه على صدر وعجز، وكما أن لبيتِ الشَّعَر أسباب وأوتاد، فكذلك للبيت الشِّعْري أسباب وأوتاد، .......... إلخ. ومع وجاهة ربطه بين تسمية علم العروض والعروض الذي بمعنى الجمل الصَّعب؛ إى أن هذا الرأي يرده ما أورده ابن رشيق القيرواني في العمدة، بقوله: (ذكر الزجاج أن ابن دريد أخبره عن أبي حاتم عن الأخفش قال: سألت الخليل بعد أن عمل كتاب العروض: لِمَ سِّميتَ الطويل طويلاً؟ قال: لأنه طال بتمام أجزائه، قلتُ: فالبسيط؟ قال: لأنه انبسط عن مدى الطويل وجاء وسطه (فعلن)، وآخره (فعلن)، قلت: فالمديد؟ قال: لتمدّد سباعيّه حول خماسيّه، قلت: فالوافر؟ قال: لوفور أجزائه وتداً بوتدٍ، قلت: فالكامل؟ قال: لأن فيه ثلاثين حركة لم تجتمع في غيره من الشعر، قلت: فالهزج؟ قال: لأنه يضطرب؛ شبه بهزج الصوت، قلت: فالرجز؟ قال: لاضطرابه، كاضطراب قوائم الناقة عند القيام، قلت: فالرمل؟ قال: لأنه شبه برمل الحَصيْرِ؛ لضَمِّ بعضه إلى بعض، قلت: فالسريع؟ قال: لأنه يسرع على اللسان، قلت: فالمنسرح؟ قال: لانسراحه وسهولته، قلت: فالخفيف؟ قال: لأنه أخفُّ السباعيَّات، قلت: فالمقتضب؟ قال: لأنه اقتضب من السريع، قلت: فالمضارع؟ قال: لأنه ضارع المقتضب، قلت: فالمجتث؟ قال: لأنه اجتث، أي: قطع من طويل دائرته، قلت: فالمتقارب؟ قال: لتقارب أجزائه؛ لأنها خماسيَّة كلها يشبه بعضها بعضاً.). [مج 1 / 136]. قلتُ: وهذا يدلُّ على أن الخليل هو من سمَّى هذه البحور بتسمياتها؛ نسبة للعلاقات بين أسبابها وأوتادها.

    الكاتب: عبده فايز الزبيدي

    0المفضلة

    84 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    تعقيبات على كتب العروض 

التعليقات (0)

المزيد من عبده فايز الزبيدي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • تعقيبات على كتب العروض (4)

    المزيد من عبده فايز الزبيدي

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة