• الثقوب السوداء

    الثقوب السوداء والمعاطف البيضاء قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، نجوم خفية تجري وتكنس في أفلاكها ما يمر في طريقها، فلا تُرى بذاتها، لكن تُرى آثارها في الفراغ الذي تخلّفه أو العدم الذي توجده.. وفي سماء الإدارة، ثمة بشر يتحولون إلى خنسٍ جوارٍ كنسٍ، يجرون في بعض المؤسسات فيكنسون نور العقول، ويبتلعون حرارة الإبداع، وطاقة الإنتاج حتى يصبح العمل فضاءً معتمًا، والإنسان جرمًا خامدًا يدور بلا معنى.. الثقب الأسود الإداري: حين ينهار النجم الأخلاقي الثقب الأسود في الفيزياء يولد حين ينهار نجم عظيم تحت ثقله فيختفي ويمسي فراغا تدل عليه جاذبية هائلة تمتص كل ما يدنو منها من نجوم وطاقة وضوء وكأنه بوابة إلى العدم والفناء، أما الثقب الأسود في الإدارة فيولد حين ينهار الإنسان تحت ثقل سلطته وتنهار قيمه المثلى ومبادئه السامية حين يختلط المنصب بالأنا، وتتحول القيادة إلى مرآة نرجسية، ويصبح الآخرون كواكب تدور حول مركز واحد، ينهار النجم الأخلاقي، تتشكل جاذبية تبتلع كل شيء فالقائد هنا لا يقود، بل يجذب، لا ينير، بل يمتص؛ لا يخلق معنى، بل يصنع خوفًا ويوجد عدما. وإذا تساءلت عن الدوافع التي تجعل من مدير ثقبا أسود لاتجد إلا دوافع محددة لا يمكن أن يخرج عنها؛ فهو إما يريد أن يحقق منفعة خاصة له او لغيره ممن يحب، أو يريد أن يعاقب من تسلط عليه، أو عدم معرفة بأصول الإدارة والصلاحيات والنظام.. وقد أوجز الحق تعالى النصيحة لنبيه داود عليه السلام للوقاية من هذا الانهيار فقال تعالى: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾ «صٓ 26». فشخص الداء في كلمتين اثنتين ووصف الدواء في كلمتين: أما الداء فاتباع الهوى وأما الدواء فمخالفة الهوى. الإبداع بين الهروب والابتلاع في الفيزياء، النجم الذي يقترب من الثقب الأسود يدخل صراعًا مداريًا: إما أن يفر، أو يُبتلع، أو يتشوه مساره. وفي المؤسسات ذوات الثقوب السوداء ، المبدعون كذلك: من يهرب يكسب نفسه ويخسر المؤسسة. من يُبتلع يتحول إلى نسخة باهتة من ذاته. • من يتشوه مساره يفقد قيمه ليبقى. وهكذا لا يبقى إلا الرماد البشري الذي يدور حول مركز السلطة، لا حول مركز المعنى وتنشأ مراكز قوى تركز وترتكز حول ما يرضي الثقب الأسود بل وتمارس ضغطاً منظما على الآخرين الذين يخالفونهم لنيل رضا المدير الثقب أو لتحقيق مصالحهم مدعومين بصاحب السلطة وهو ما يسمونه في الجودة ( Peer pressure) ضغط الأقران ذلك الضغط الذي وصفه تعالى بقوله: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ﴾ «الأعراف 82». التمدد والانضغاط: سباغيتي الإنسان الوظيفي يتصور الفزيائيون أنه إذا اقترب إنسان من الثقب الأسود فإنه يتمدد طوليًا وينضغط عرضيًابشكل مستمر حتى يصبح مثل الإسباغيتي ثم يتمزق أو يتلاشى تماما داخل الثقب ولا يعرف مصير أي شيءٍ دخل الثقب الأسود وفي الإدارة السلطوية، يتمدد الموظف في العمل بلا نهاية، وينضغط في القرار حتى يفقد صوته،فيتمزق بين واجبات بلا معنى وسلطة بلا عدالة مستنفدا كل طاقته في محاولة الخروج من جاذبية الثقب الأسود والصراع من أجل البقاء ثم يتلاشى ببطء، انسحاب داخلي،برود،لامبالاة، موت معنوي بلا شهادة وفاة ولا يشعر به أحد، لأن الثقوب السوداء لا تقتل بالضجيج، بل بالفراغ أو التفريغ بسلب الطاقة وامتصاص النجوم. الفراغ كدليل إدانة الثقب الأسود لا يُرى،لكن يُعرف من الفراغ الذي يتركه في السماء من الطاقة التي تذهب هباء والعدم الذي يخلق من الوجود والمدير الثقب لا يُدان بكلماته،بل بآثاره كفاءات تهاجر مؤسسات خاوية من الفكر مبادرات تُوأد موظفون بلا انتماء صراعات لاتنتهي وجدالات عقيمة لا تخلق إلا الضياع والإحباط واليأس إنه عدم إداري منظم، أشد خطرًا من الفوضى، لأنه يقتل النظام من الداخل باسم النظام. النجم والثقب (فلسفة القيادة بين الوجود والعدم): النجم يعطي الضوء ليبقى الكون حيًا، والثقب يأخذ الضوء ليبقى هو موجودًا، القائد النجم يخلق معنى، والقائد الثقب يخلق خوفًا وعدما، القائد النجم يجعل الناس يكبرون، يبدعون، يشاركون،يتعاونون والقائد الثقب يجعلهم يتضاءلون، يحجمون، يتنازعون وفي فلسفة المؤسسات، ليست الميزانيات ولا الهياكل التنظيمية هي التي تصنع الحضارة، بل نوع الجاذبية التي تحكم البشر: جاذبية المعنى،أم جاذبية السلطة، جاذبية الأثرة أم جاذبية الإيثارجاذبية الأخذ أم جاذبية العطاء بل قل جاذبية البقاء أم جاذبية الفناء. اندماج الثقوب السوداء ( التواطؤ السلطوي) كما في الفيزياء، حيث يؤدي اندماج ثقبين أسودين إلى توليد موجات ثقالية تهز بنية الكون،يؤدي اندماج القيادات المستبدة المتسلطة في المؤسسات إلى توليد زلازل أخلاقية وإدارية تزلزل بنية العمل زلزالا شديدا وتحبط كثيرا من محاولات التصحيح. حين تتلاقى البيروقراطية مع النرجسية الإدارية،ينشأ نظام مغلق على ذاته،لا يقبل النقد، ولا يسمح بالتجريب،ولا يرى في المعرفة إلا تهديدًا لسلطته ولا في المطالبة بالعدالة وحسن التنظيم وتوزيع الأعباء وتصحيح المسار إلا تمردا وإثارة للمشاكل وتعطيلا لسير العمل بينما يراها علم الجودة والإدارة فرصا للتحسين قوامها تحليل الأسباب ووضع خطة تصحيحية على منهج علمي وعدالة مغمضة العينين. وحين ينشأ التواطؤ السلطوي ذلك تتحول الرداءة عندئذٍ إلى قاعدة،والخضوع إلى فضيلة، والتفكير إلى مخاطرة وكل مقترح لإقامة العدالة واحترام النظام وتحسين بيئة العمل إلى أسباب لتركيز الاستبداد والاضطهاد والتنكيل. وهنا تصبح السلطة ممارسة يومية بلا وعي أخلاقي، وتغدو الإجراءات قهرًا مؤسسيًا بلا نية معلنة ولكن تشي بها القرارات والإجراءات الممنهجة، ويُمارَس الظلم بوصفه وظيفة روتينية ظاهرها مصلحة العمل وتطبيق النظام وباطنها العذاب،لا بوصفه جريمة وتحايلا على النظام وتوظيفا باطلا له في إنهاك العاملين معنويا وجسديا حتى ينهاروا وتنهار المؤسسة وإياهم وفي هذا المعنى، يتحقق ما يمكن تسميته بـ تفاهة السلطة؛ حين لا يعود الطغيان استثنائيًا أو عرضيا، بل يصبح عاديًا، بيروقراطيًا، متكررًا، يمارسه موظفون عاديون بل عادون باسم النظام: نظامٍ ابتدعوه من تحريف وتوظيف للنظام الحق القائم على العدالة والرحمة، يُعاد إنتاجه كل يوم دون حاجة إلى تفكير في النظام الحقيقي او روح النظام. حين تتحول الرداءة إلى نظام،ويصبح القهر ممارسة روتينية، والإقصاء إجراءً إداريًا، والظلم ملفًا يُؤرشف بدل أن يُدان أو حتى ينظر في أمره. أخلاقيات الضوء في زمن الثقوب الثقوب السوداء في السماء قدر كوني، أما الثقوب السوداء في الإدارة فهي خطيئة بشرية وربما كانت مثل التفاعل الكيميائي المتسلسل نتاج خطايا متتابعة وحافزٍ على التفاعل من غض الطرف عن الممارسات الاستبدادية وربما توفير الحماية لها بتبريرها وتمريرها على أنها للمصلحة العامة وحجب الحقيقة عن صانع القرار أو تزويرها وتقنينها وتغليفها بأباطيل لا يسع القائد الأعلى البحث في جوهرها والتثبت منها وهنا نقول أن أول الفساد فساد البطانة ولذلك قال ربنا: : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ «آل عمران 118». المؤسسات لا تنهار بضربات السوق وحده، بل حين يتحول قادتها إلى خُنَّسٍ جوارٍ كُنَّسٍ، يكنسون النجوم بدل أن يرعوها، ويبتلعون النور بدل أن ينشروه وحين تترامى للأسماع أخبار الاستبداد والفساد وتتناقله الألسن فتتشكل كرة الثلج من سمعة رديئة عن بيئة حارقة وخانقة للإبداع والاستمرار وتوضع المؤسسة في قوائم سوداء تصفها بعدم الأمان الوظيفي والإرهاق المعنوي والجسدي وقتل الطموح وانعدام التطوير وكثرة الصراعات وسوء الأحدوثة فيعزف عن التوظيف فيها بل ويفر منها كل نابغ ونابه وتصبح كدمن الثرى لو نبت عليها شجر مثمر لم يكن ثمره نافعاً بل ضاراً يعافه الناس وفي النهاية،لن يتذكر التاريخ الإداري الخطب الطنانة ولا الشعارات الرنانة، ولا المؤشرات حقيقيةً كانت أو وهميةً، بل سيتذكر الفراغات التي خلّفها أولئك الذين جعلوا من السلطة ثقبًا، ومن القيادة عدمًا، ومن الإنسان مجرد مادة في تجربة قاسية بلا أخلاق وهو ما نسميه في علم الجودة المخرج أو النتيجة وتقول عنه العرب العبرة بالنتائج. ولا شك أن تاريخًا آخر يكتب في وجدان الناس ومشاعرهم يستحضرونه وربما يتناقلونه عبر الأجيال مستحضرين وجوه معذبيهم ومرارة التجربة وقسوة الأيام بل ثَمَّ تاريخٌ أكثر عدلا وأدق يكتبه من لا يخطيء ويعرضه من لا يظلم على الظالمين يوم الحساب فيقول سبحانه وتعالى:: ﴿هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ «الجاثية 29))

    الكاتب: خالد مطير

    0المفضلة

    155 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    التسلط السلطوية الاحباط الفناء العدم 

التعليقات (0)

المزيد من خالد مطير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الثقوب السوداء