• الأدب البنفسجي

    الأدب البنفسجي /الأرجواني ( purple Literature ) عبده فايز الزبيدي .................. الأدب البنفسجي أوالأدب الأرجواني، (purple Literature)، مصطلح جديد في العربية، وله أصل من الإنجليزية، فقد أخذت التسمية من قولهم النثر البنفسجيّ، أوالأرجوانيّ، وربما قيل له المزخرف، أو المنمَّق (purple prose)، ومنهم من يحعله بمعنى النثر المتكلَّف. وليس في الإنجليزية ذكر للشعر البنفسجي (الأرجواني)؛ ربما لأن الشعر في كل اللغات هو أدب متكلف طبيعة وفطرة، ولهذا تجد العرب قد قالت بالضرورة الشعرية؛ لأن الشعر موطن اضطرارٍ وتكلف. وجاءت التسمية من دلالات اللون البنفسجي _الأرجواني_ الذي يعني الثراء، والملك، والترف، والغموض، والقدرة. فقد كان لبس الثياب المصبوغة باللون البنفسجي خاصَّا بالملوك والأمراء والأثرياء؛ لنفاسته ولتكلفته الباهظة، فقد كان القدماء يستخرجون صبغته من نوع نادر من الرخويات البحرية، مما يحتاج جهداً كبيراً، وكلفة مالية عالية. ويجعلون للنثر البنفسجي في لغتهم _الإنجليزية_ سماتٍ منها: التَّكلف الشديد، والتنميق باستخدام الكنايات والصفات والظروف، ومن صفاته المبالغة، مع طول في الجمل والمقاطع، والغموض أحيانا. ومن عيوبه تلك التي يقال عنها مميزاته: فالمبالغة في العاطفة تبعده عن الواقعية، والغموض يجعله مغلقاً، وكثرة الزخرفة اللغوية تثقل تدفق النص، حتى قالا: ويليام سترانك، وإي. بي. وايت، في كتابهما "عناصر الأسلوب"، في معرض النهي عن المبالغة في استخدام الصفات والظروف النحوية:( اكتب بالأسماء والأفعال، لا بالصفات والظروف). والعرب عرفت مثل هذه الأنماط الأدبية شعراً ونثرا، وأسموا النثر والشعر الذي يعنى بالصناعة اللفظية، بالمصنوع أوالمتكلَّف. ويظهر هذا في النثر الذي يكثر فيه السجع، وتساوي الجمل، والمقاطع، مثل كلام أهل السجع، وما يكون في فنَّ المقامة، كمقامات الهمداني، ومقامات الحريري. فقد قال الحريري في "المقامة المكّيّة": (حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: نهضْتُ من مدينةِ السّلامِ. لحِجّةِ الإسلامِ. فلمّا قضيْتُ بعَونِ اللهِ التّفَثَ. واستبَحْتُ الطّيبَ والرَّفَثَ. صادَفَ موسِمُ الخيْفِ. معْمَعانَ الصّيفِ. فاستَظْهَرْتُ للضّرورةِ. بِما يَقي حرَّ الظّهيرةِ. فبَينَما أنا تحتَ طِرافٍ. مع رُفقَةٍ ظِرافٍ. وقدْ حَمِيَ وَطيسُ الحصْباء. وأعْشى الهَجيرُ عينَ الحِرْباء. إذ هجَمَ عليْنا شيخٌ مُتَسَعْسِعٌ. يتْلوهُ فتًى متَرَعرِعٌ. .....)1. [ص: 135]. فنجده في هذا المقطع القصير قد أكثر من السجع، وأكثر من الصفات، واستخدم المجاز والاستعارة. وجعل النقاد الشعر على سماطين، هما: الشعر المطبوع، والشعر المصنوع. ويعنون بالمطبوع من الشعر أنه كلّ ما جاء سجيَّة دون عناء وتكلف، بينما المصنوع ما غلبتْ عليه الصنعة، وظهر عليه أثر إصبع التكلف، بيد أن من الشعر ما قد ينعت بالصنعة، ويعنون به الشعر الذي يعتني الشاعر بسلامته وصحّته، وهذا مما لا يعاب به الشاعر. قال ابن قدامة في "العمدة"، عند حديثه عن المطبوع والمصنوع: (ومن الشعر مطبوع ومصنوع، فالمطبوع هو الأصل الذي وضع أولاً، وعليه المدار. والمصنوع وإن وقع عليه هذا الاسم فليس متكلفاً تكلف أشعار المولدين، لكن وقع فيه هذا النوع الذي سموه صنعة من غير قصد ولا تعمل، لكن بطباع القوم عفواً، فاستحسنوه ومالوا إليه بعض الميل، بعد أن عرفوا وجه اختياره على غيره، حتى صنع زهير الحوليات على وجه التنقيح والتثقيف: يصنع القصيدة ثم يكرر نظره فيها خوفاً من التعقب بعد أن يكون قد فرغ من عملها في ساعة أو ليلة، وربما رصد أوقات نشاطه فتباطأ عمله لذلك، والعرب لا تنظر في أعطاف شعرها بأن تجنس أو تطابق أو تقابل، فتترك لفظة للفظة، أو معنى لمعنى، كما يفعل المحدثون، ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته، وبسط المعنى وإبرازه، وإتقان بنية الشعر، وإحكام عقد القوافي وتلاحم الكلام بعضه ببعض......)2. [مج 1/ 129]. والصناعة في الأدب على قسمين: صناعة لفظية، وصناعة معنوية. فكل أديب يهتم بالألفاظ دون ابتكار معانٍ جديدة، واستحداث صورة مدهشة، هو من أهل الصناعة اللفظية. وكل أديب يهتم بسبر أغوار المعاني، واستحداث صور جديدة لم يعهدها الناس، فهو من أرباب الصناعة المعنوية. وتعدُّ عصور ما قبل الإسلام وصدر الإسلام إلى عصر ما قبل عصر المولدين، هو زمن الأدب الجميل، ثم يبدأ بعده عصور الأدب البنفسجي، و قلْ الأدب الأرجواني. وإذا أردت أن ضرب لك مثالا على الشعر البنفسجي في العربية القديمة، فسآخذ الشاعرين: مسلم بن الوليد، وأبا تمام. أمَّا مسلم بن الوليد _صريع الغواني_ فقد اشتهر بالصناعة اللفظية وبالإكثار من استخدام فنون البديع في شعره، وهذا من التكلف والصنعة. وأما أبو تمام، فقد سار على نهج صريع الغواني، غير أنَّه جنح لابتكارٍ منهجٍ به خاص، وهو جلب المعاني الغريبة والمتكلفة. والجديد المبتكر في الأدب لا يقبله أكثر أهل الفنّ، حتى قيل إن أبا تمام حينَ أنشد قصيدته التي مطلعها: لا تَسقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ = بَل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ قال له أحدهم: هل للحياة ماء؟ فقال أبو تمام: قوله تعالى: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة)، فهل رأيت للذل والرحمة جناحا؟ فسكت السائل. وسئل البحتري ذات يوم عن شعره وشعر أستاذه أبي تمام، فقال: "جيّده خيرٌ من جيِّدي، وردئي خير من ردئه". قال أبو الحسن الآمدي في كتاب الموازنة: (سُئلَ البحتريُّ عن نفسه وعن أبي تمام، فقال: هو أغوص على المعاني مني وأنا أقوم بعمود الشعر منه)3. [مج 1 / 12]. وقد ذكرت شاهداً من النثر البنفسجي في العربي، من مقامات الحريري. ويجوز لنا أن نقول إن النثر البنفسجي هو النثر الفني المتكلّف المصنوع صناعة لفظية أومعنوية، أو الجامع بينهما. ................... (1). مقامات الحريري، أبو محمد القاسم بن علي الحريري، مطبعة المعارف، بيروت، نسخة المكتبة الشاملة. (2). العمدة في محاسن الشعر وآدابه/ أبو على الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، الطبعة: الخامسة، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، نسخة المكتبة الشاملة. (3). الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، المؤلف: أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، المجلد الأول، تحقيق/ السيد أحمد صقر الناشر: دار المعارف - الطبعة الرابعة. سلسلة ذخائر العرب رقم (25).

    الكاتب: عبده فايز الزبيدي

    0المفضلة

    47 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    شعر أرجواني أدب بنفسجي نثر 

التعليقات (0)

المزيد من عبده فايز الزبيدي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الأدب البنفسجي

    المزيد من عبده فايز الزبيدي

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة