بين الوضوح والمراوغة.. الثقة على المحك
Feb 19, 2026 04:14 AM Feb 19, 2026 04:14 AM
أحبّ في الإنسان أن يكون واضحًا كالشمس، مباشرًا كالسهم؛ إذا أراد أن يقول رأيه قاله بلا تردّد، وإذا أراد أن يتّخذ موقفًا أو قرارًا أعلن عنه بكل صراحة؛ إذ لا أرى عيبًا في الرفض، كما لا أرى عيبًا في القبول، ما دام يجلو كليهما الصدق والوضوح.. لكنّي أرى تجنّب المصارحة هو العيب، والمراوغة في الكلام هي العيب، والهروب من المواجهة هو العيب، والرقص على السلم هو العيب، والوعد الكاذب.. هو عين العيب! ليس الوضوح في الإنسان مسألة أسلوب، بقدر ما هو انعكاس لطريقة نظره إلى ذاته وإلى الآخرين.. ثمّة فرق دقيق بين من يقول «نعم» أو «لا» لأنه فهم موقفه وعرف حدوده، وبين من يترك كلماته معلّقة، لا حسم فيها ولا التزام، كأنّ اللغة عنده مساحة للمناورة لا للتعبير. في الملاحظة اليومية، نرى كثيرًا من هذا التردّد المتعمَّد؛ وعودًا تُقال بنبرة مطمئنة لكنها تُترك بلا سند فعلي، ومواقف تُدار بحساب الربح والخسارة لا بصدق القناعة. ولا يبدو الأمر في الغالب نابعًا من خبثٍ صريح، بل من خوفٍ دفين.. خوفٍ من خسارة القبول، أو من تحمّل تبعات موقفٍ أو قرار، أو من أن يُرى الإنسان على حقيقته دون أقنعة.. غير أنّ هذا النوع من الغموض لا يبقى بلا أثر؛ فهو يربك العلاقات، ويستنزف الثقة، ويحوّل التواصل إلى حقلٍ من توقّعات خائبة. ومع الوقت، لا يعود السؤال: هل قبِل أم رفَض؟ بل: هل يمكن الركون إلى كلمته أصلًا؟ وفي الإطار الأخلاقي والديني، لا يُفهم الصدق بوصفه بطولة لغوية، بل أمانة خفيفة في ظاهرها، ثقيلة في نتائجها؛ فليس المطلوب أن يكون الإنسان قاسيًا في وضوحه، ولا متصلّبًا في مواقفه، بل أن يكون صادقًا مع حدوده، واعيًا بما يستطيع وما لا يستطيع. ربما لا يكون العيب في أن نخطئ التقدير، بل في أن نتهرّب من قول الحقيقة الكاملة، أو أن نَعِد بما نعلم في قرارة أنفسنا أننا لن نفي به؛ فيصبح الغموض حيلةً للنجاة المؤقتة، وتمضي المراوغة تأجيلًا لمواجهة لا مفرّ منها، وتبقى الثقة موضوعة على المحك! - يناير ٢٠٢٦


الكاتب: إسلام البهنساوي
0المفضلة
17 المشاهدات
0 تعليقات