في ذروة البلاء، رحمةٌ لا تُرى
Feb 19, 2026 04:25 AM Feb 19, 2026 04:25 AM
يُختبر عمق الإيمان بالله في ذروة البلاء وغاية الإجهاد، فليس الإيمان كلمةً تُقال في سعة العافية، ولا شعورًا عابرًا يزدهر في ظلال الطمأنينة؛ إنما يُعرف صدقه حين تضيق المسالك، وتُغلق الأبواب، ويجد الإنسان نفسه واقفًا على حافة العجز بعد أن استنفد سعيه، واستفرغ الناس حوله ما قدروا عليه من رحمة وجهد.. هناك، حيث يتكاثف الألم، ويتجمد الرجاء في كفّ الانتظار، تبدأ حقيقة أخرى في الانكشاف. في تلك اللحظة، لا ينهار قلب المؤمن، بل ينحني — لا للبلاء — وإنما للتسليم. يدرك أن الأيادي الممتدة إليه، وإن حملت دفء التعاطف ولطف العون، تظل محدودة الأثر، كهواء النسيم إذ يحاول أن يحرّك سكون الماء فلا يبلغ منه إلا سطحه.. هنالك — حيث دعا زكريا ربه — يرفع المؤمن بصره إلى ما فوق الأسباب، ويستقر في داخله يقينٌ هادئ: أن رحمة الله أوسع من رحمة الخلق مجتمعين، غير أنها لا تُقاس بسرعة رفع البلاء، بل بعمق الحكمة الكامنة فيه. وهنا تتبدل الرؤية؛ فلا يعود الألم نقيض الرحمة، بل قد يكون ستارها، ولا يغدو التأخر حرمانًا، بل طورًا من لطفٍ يتشكل في الخفاء.. إن الحكمة والرحمة في التدبير الإلهي صنوان لا يفترقان، وما يحجبه الألم عن العين قد يكشفه الإيمان للقلب. وبين صبرٍ يثبّت الخطى، ورضا يسكّن الروح، تتخلق مساحة خفية ينضج فيها الفرج قبل أن يُرى. فكم من محنةٍ ظنها الإنسان خاتمة الطريق، فإذا بها رحمٌ يتمخض ليلد المنحة، وكم من عسرٍ بدا كالجدار، فإذا باليسر يخرج من باطنه كالنور من الشقوق. فالله لطيف بعباده، ينسج أقدارهم بخيوطٍ لا يرونها، فإن شاء أعطى وإن شاء منع، أما المؤمن — فكلما ازداد بصيرة — يعلم أن عطاءه جود، وأن منعه رحمة، وأن الخير ليس دائمًا فيما يختاره لنفسه، بل فيما يختاره الله له؛ ولذلك صدق الصادق في وصف المؤمن بأن "أمره كله خير". وفي اللحظة التي يُسلم المرء وجهه لله حق الإسلام، ويبسُط يد الرجاء، ويرفع كفّي الضراعة، ويطلب كشف الضُّر، تتنزل عليه الرحمات تترى، كالغيث بعد القحط، والضياء بعد الظلمة.. وهكذا، حين ينقشع غبار المحنة، لا يبقى في القلب إلا أثر الطمأنينة: أن كل ما مرّ به لم يكن عبثًا، وأن اليد التي ساقته عبر الألم كانت — في كل لحظة — يد عنايةٍ خفية، تقوده إلى موضعٍ أرحب مما كان يرى. - يناير ٢٠٢٦


الكاتب: إسلام البهنساوي
0المفضلة
19 المشاهدات
0 تعليقات