• شعاعٌ خلف ضباب الشتاء

    يبدو الشتاء فصلًا كئيبًا لدى كثير من الناس، غير أنني أحبُّه، وأرى فيه أعماقًا لا تُدرك على عجل؛ إذ تتجلى أمامي معاني الخروج فيه، لا بوصفه عبورًا مكانيًا، بل تحوّلًا داخليًا من حالٍ إلى حال.. يجذبني الضّباب حين يتكثّف في جوِّ الليل، يتسلل ببطء، ويتمدد في صمت، حتى يهيمن على البصر، وتغيب الأشياء عن الرؤية، وكأن العالم يتعلم كيف يتوارى ويتهيّأ لأن يُرى من جديد. ثم، في لحظةٍ ما، تخرجُ الشمس من مهجعها، لترمي الضباب بسهام أشعتها الحامية، فيشرع الضباب في الرحيل بالوتيرة ذاتها التي تكوّن بها، وتبدأ الأشياء في الانجلاء، واحدةً تلو الأخرى.. فجأة، تستعيدُ العين قدرتها على الإبصار بعد أن ارتفع الحجاب عنها، وأُدرك حينها أن المرور من الوضوح إلى الغموض، ومن الغياب إلى الكشف، ليس خللًا في الطريق، بل هو الطريق ذاته. ... تعجبني صورةُ السماء وهي ملبّدة بالغيوم كأنها ستارٌ أُسدِل على السماء ليحجب ضوء الشمس عن النفوذ، وأرى من وراء هذه السحب يدًا خفية تدبّر المشهد بحكمة بالغة، وأستشعر حضورًا أعلى من الصدفة وأعمق من البصر.. حين أُطيل النظر إلى هذا المشهد، يُخيَّل إليّ أن الأرض كلها تحبس أنفاسها؛ كأنها على موعدٍ مع أمرٍ عظيم، مع انكسارٍ وشيكٍ لهذا الثقل الجاثم فوق الصدور، مع وعدٍ بأن فرجًا قد اقترب، أن ثمّة شعاعَ ضوءٍ سيستطيع المروقَ من بين هذه الغيوم.. وفي لحظةٍ ما، تُفتح أبوابُ السماء، ينهمرُ الماء، تبسطُ الأرضُ ذراعيها، تُخرِجُ البذورُ رؤوسها في حذر، ويفتحُ العطشى أفواههم في رجاء، وتكشفُ لنا الشمسُ عن وجهها مرةً أخرى.. إنه مشهدٌ بديع، لا أراه سقوطَ مطرٍ فحسب، بل ترجمة حيّة للمعنى القرآني العميق في قول الله تعالى: "إن مع العسر يسرا" .. لا بعده، بل معه، وفي قلبه. - يناير ٢٠٢٦

    الكاتب: إسلام البهنساوي

    0المفضلة

    14 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    ضباب الشتاء الضوء الشمس المطر 

التعليقات (0)

المزيد من إسلام البهنساوي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • شعاعٌ خلف ضباب الشتاء