مجمجرم.. رأيته نهاية عمره يشحذ قصة حقيقية المدي
Mar 6, 2026 06:28 AM Mar 6, 2026 06:28 AM
مجرم.. رأيته نهاية عمره يشحذ قصة حقيقية المدينة المنورة من الاماكن التي اتفق الناس جميعا على محبتها والارتياح اليها. وقد جرت عادة اسرتي ان تشد الرحال في العشر الاواخر من رمضان لنقيم جوار المسجد النبوي، فنقضي تلك الايام المباركة في رحابه الطاهرة ونستقبل العيد هناك. كان يقود خطانا في تلك الرحلات والدي وعمي عبدالله رحمهما الله، ذلك الرجل الذي استوطنت المدينة قلبه منذ ان كان يدير احد مرافقها المالية التابعة للدولة. مرت السنوات وتغيرت ملامح حياتي. تزوجت ورزقت بابناء، وعندما قررت اسرتي الكبيرة سنة ١٤١٤ هجري قضاء اخر ايام رمضان والعيد في المدينة المنورة كعادتها كل سنتين او ثلاث، رافقتهم في تلك الرحلة. لم نكن نعلم حينها ان القدر يخبئ لي حادثتين غريبتين. واحدة انطوت صفحتها في حينها، واخرى بقيت فصولها مفتوحة حتى عامها الثاني عشر. الحادثة الاولى مشهد الحذاء المفقود امام ساحات المسجد النبوي .. وقعنا في شباك محتال تمرس في فنون الخديعة. نصب فخه بذكاء، فوضع احذية فاخرة في قعر صندوق خشبي عميق، ثم عرضها للبيع بسعر زهيد جدا (وصدق من قال : النصاب يصطاد الطماع بسهولة) هنا تبدأ اللعبة. تمد يدك داخل الصندوق، فتخرج بفردة حذاء انيقة، لكنك لن تجد توأمها ابدا. تبدأ انت ومن حولك بالبحث داخل الصندوق عن الفردة الثانية ولكن دون جدوى. وفي تلك اللحظة يكون مساعدي المحتال قد انهوا عملهم .. يشقون جيب الثوب بموس حادة ويسحبون المحفظة في هدوء تام. لم يطل الوقت حتى انكشف الامر. عجزنا عن العثور على الفردة الثانية، واكتشفنا اننا لم نفقد الاحذية فحسب، بل فقدنا مدخراتنا ايضا. بحثنا عن التاجر المحتال. فص ملح وذاب. المشكلة الحقيقية ان كل مدخراتي في تلك المحفظة، ومعي اسرة والتزامات. في ذلك الزمن لم تكن البطاقات البنكية منتشرة، وكنا نستلم رواتبنا نقدا ولم تكن تحول الى الحسابات البنكية كما هو الحال اليوم. كما ان البنوك كانت مغلقة، وحتى لو فتحت لم يكن لدي فيها رصيد يذكر. الزبدة ان راتبي كله في يدي، وضاع في تلك اللحظة. عدت الى الشقة بخفي حنين، لا ادري ماذا افعل. رويت لشقيقي ما حدث، وشاهد الجيب المشقوق في ثوبي، قال علينا ان نذهب الى الشرطة لتقديم بلاغ بالحادثة. هناك التقيت بزملائي الضحايا المسروقين .. كان المشهد اشبه بمشهد سينمائي هزلي. ستة رجال يقفون جوار بعضهم ينتظر كل واحد منهم دوره لتسجيل محضر بالواقعة، وكل واحد منا يقبض في يده على فردة حذاء واحدة، بينما تشهد جيوبنا الممزقة على هزيمتنا امام حيلة اللص الذكي. وسط هذا المشهد الغريب لم يتمالك احد الحاضرين نفسه فابتسم خفية .. ومعه حق .. فالموقف نفسه كان يقطر سخرية رغم ما فيه من مرارة. كان جميع الضحايا قد وجدوا من يعينهم من اقاربهم، باستثناء رجل اردني تقطعت به السبل تماما. معه والدته وزوجته، وهم في حال لا يحسدون عليه. شقيقي قد اعطاني ثمانمائة ريال لتدبير اموري. وبعد ان خرجنا من قسم الشرطة رأيت الرجل الاردني حائرا لا يدري ماذا يفعل. اقتربت منه وسألته ان كان بحاجة الى مساعدة. قال انه يريد العودة الى بلده لكنه لا يملك ما يكفي للسفر. سألته: كم يكفيك لتعود الى بلدك؟ قال: اربعمائة ريال. وضعت المبلغ في يده وقلت له: تفضل، هذا رزق ساقه الله اليك. (اتضح لاحقا انه مدير البنك الزراعي في عمان. اعطاني رقم هاتفه واصر بشدة على رد المبلغ عندما اتصلت به للاطمئنان عليه بعد مدة من الزمن). عندما اخبرت شقيقي بما فعلت نظر الي وقال مستغربا: "أنت في حال مزر وتعطي نصف ما تملك! يعني تبغى تسوي قدامي انك طيب ولا ايش. نحن جميعا نحب فعل الخير، لكن لا ينبغي ان يكون ذلك على حساب انفسنا. قلت اتفق معك ثم اكمل كيف صدقت ان حذاء فخما كهذا الذي في يدك يباع بخمسة ريالات فقط. اي شخص بسيط يدرك ان قيمته لا تقل عن اربعين ريالا. الم تشك ان في الامر خدعة؟! قلت : اسمع، لا تكثر اللوم والعتاب. انا رجل ادبي قصصي قراراتي عاطفية ووقتية وسريعة .. وانت رجل علمي ومبرمج كمبيوتر. تفكيرك تحليلي ومتأن. لكن اجمالا معك حق. من توابع تلك الازمة انني كنت قد اشتريت قبل الحادثة ملابس جديدة، ثوبا وغترة وعقالا، وكنت اريد ان اكملها بالحذاء لولا ما حدث. حاولت اعادة تلك الملابس لاسترداد قيمتها، لكن البائع الافغاني رفض بشدة. حاولت ان اشرح له ما حدث معي، لم يصدق وتصلب في موقفه. تطور الامر الى شجار انتهى بان ضربني بكرسي حديدي على رأسي. تلقيت الضربة بيدي، لكنني في النهاية استعدت مالي ورددت له بضاعته بعد فوضى كبيرة احدثناها في المحل. ولولا وجود اخي معي لتطورت الامور الى الشرطة. اعترف انني كنت المخطئ في هذه الحادثة، لكن كنت مضطرا لاعادة بضاعته. وهكذا خرجت من الاحداث مسروقا ومضروبا... ويا قلب لا تحزن. وبقي الالم في يدي شهرا كاملا نتيجة ضربة الكرسي. هذه كانت الحادثة الاولى التي انتهت في وقتها. اما الحادثة الثانية التي امتدت توابعها اثنتي عشرة سنة فكانت كالتالي. كنت كل يوم في وقت العصر انزل امام العمارة التي نسكن فيها، وهي تطل مباشرة على اسواق المدينة. فالعمارة ومحلاتها التجارية جزءا من السوق، ولا تبعد عن المسجد النبوي اكثر من مئة وخمسين مترا. فجأة سمعت صوت سيارة الشرطة .. اغلقت الطريق لتحاصر مجرمين اثنين اعتديا على احد زوار المدينة المنورة وسرقاه علنا امام الناس. تمكنت الشرطة من القبض عليهما بمساعدة الحاضرين. كنت اقف امام سيارة الشرطة مباشرة، وبينما العسكري قائد الدورية مشغول بمعالجة احد المجرمين، رأيت الاخر امام عيني تماما. رجلا ضخما مقيدا بالكلبشات ويمسك به رجل شرطة اصغر حجما، فجأة انهال المجرم على رأسه بكلتا يديه، فاصطدم حديد الكلبشات بعظام جمجمته عدة مرات. ومن شدة الضرب ترنح الشرطي، وسقط. وفي لحظة خاطفة انطلق الضخم هاربا كالسهم واختفى بين الازقة. اصيب الناس بالذهول من هول ما حدث، فلم يتمكن احد من اللحاق به. كل قال لنفسه السلامة السلامة. بعد اثنتا عشرة سنة وتحديدا سنة ١٤٢٦ هجري، فوجئت بذلك الرجل الضخم يزورنا في مقر العمل يطلب حسنة، كان قد تقدم به العمر، وخط الشيب رأسه وشاربه ولحيته، وبدا عليه الذل والانكسار. تذكرته فور ان وقع بصري عليه. وازداد يقيني عندما قال انه يريد الذهاب الى المدينة المنورة لكنه لا يملك اجرة السفر. تداعى الى ذهني في تلك اللحظة انه ربما هرب الى جدة بعد ان ارتكب جرائمه "سطو سرقة - مقاومة رجال الشرطة - ضرب رجل شرطة - هروب من اجهزة الامن". ثم قبض عليه وسجن .. لا اعلم كم تكون مدة الاحكام لمثل هذه الجرائم مجتمعة. كان لدي صديق في العمل، رجل متفرس جداوي ابن حارة كما يقولون. نظر الى الرجل لحظة، ثم اخرج بعض المال واعطاه اياه قائلا بابتسامة ماكرة: خذ... لكن ما احب اشوفك هنا مرة ثانية. الغريب ان ملامح الرجل المجرم تغيرت فجأة. بعد ان كان يبدو ذليلا منكسر الوجه، فترت شفتيه عن ابتسامة خبيثة، ولمعت عيونه اثناء قوله: "اوامرك يا سيدي". اخذ المال وانصرف. حين ابتعد الرجل نظرت الى صديقي مستغربا وسألته: هل تعرفه؟ قال: لا... لكن الشر ينطق من وسط عينه. فيما بعد اخبرت شقيقي وذكرته، قلت: يا سبحان الله! أرأيت يا أخي؟ لقد شاهدت الرجل نفسه الذي ضرب الشرطي بالمدينة المنورة وهرب .. دارت به الدوائر، وجاء ذليلاً يشحذ اجرة مواصلات واظنه كان مسجون في جده لفترة طويلة واطلق سراحه" قال شقيقي: دعنا نحلل 'البيانات' (Data) التي أمامنا بعيداً عن المشاعر. أنت تراه 'تراجعاً درامياً'، وأنا أراه 'تحديثاً للنظام' (Update) ليتناسب مع تقدم العمر." قلت : أي تحديث؟ الرجل مكسور، الشيب غزا رأسه، والذل يسكن عينه قال شقيقي: اسمعني.. هذا الرجل مبرمج على الاقتناص. في شبابه كانت أدواته هي الشجاعة والعضلات، والآن بعد أن انتهت صلاحيته قام بتغيير 'الواجهة' (Interface). ارتدى قناع المسكنة والذل لأنها 'الأداة' الوحيدة التي تجلب له المال الآن. انت قلت انه ابتسم ابتسامته خبيثة في النهاية.. اذا لا زال يحن الى ماضيه. قلت: "أنت تجرد الموقف من إنسانيته. ألا ترى أن حاله اليوم هو 'عقوبة' بحد ذاتها؟" قال شقيقي: "العقوبة الحقيقية هي السجن الذي هرب منه، أما ما يفعله الآن فهو 'التفاف' (Workaround) على الحياة. أنت تأثرت بضعفه الظاهري، وكما اخبرتني ان صديقك الجداوي -بخبرته- فهمه .. ولذا أعطاه المال ليشتري خروجه من المكان لا ليساعده. هو فهم أن هذا فيروس يجب عزله فوراً. قلت: اعتقد أن الشر قد هُزم تماماً، ولم يبق منه سوى اشارات تظهر عبر تعبيرات الوجه. قال شقيقي: المجرم لم يتغير جوهرياً، بل غير وسيلته فقط (من القوة إلى الاستعطاف). انتهت عبدالله بن علي ابو حنش ١٧ رمضان ١٤٤٧ هجري


الكاتب: عبدالله المغرم
0المفضلة
74 المشاهدات
0 تعليقات